سورة يوسف مكية أيضًا، وأنزلت في الفترة المكية نفسها التي تحدثنا عنها فيما سبق.
ولسورة يوسف طريقة خاصة متميزة، في تثبيت قلوب المؤمنين، وغرس الأمل واليقين فيها، بتحقق ما وعد الله به .. فالسورة كلها تقوم على قصة واحدة، بدأت بالوعد، وانتهت بتحققه في أرض الواقع، وتخللت آيات السورة إشارات عديدة، للتأكيد على الحقائق القاطعة فيها.
بدأت السورة بذكر رؤيا، رآها الطفل الصغير، رؤيا واعدة بتحقق شيء له في المستقبل، ولما قص الطفل الرؤيا على أبيه بشّره بالخير، وجرت للطفل أحداث متتابعة مفاجئة، استمرت سنوات عديدة، وانتهت بالأحداث بتأويل عملي لتلك الرؤيا، وتحقيق ما وعده الله به. وفيما يلي إشارة إلى بعض تعقيبات السورة على أحداث القصة.
رؤيا يوسف وهو صغير:
أولًا: رأى يوسف سجود أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له، وقص هذه الرؤيا على أبيه النبي يعقوب عليه السلام، فاستبشر الأب بها خيرًا، واعتبرها بشرى من الله لابنه بمستقبل مشرق، وأخبر ابنه بذلك ليستشرفه ويسعى إليه. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [يوسف:6] .
اعتبر الأب هذه الرؤيا وعدًا من الله، بالمستقبل العظيم لابنه، وألقى هذا الوعد لابنه، الذي استقر في داخله، والأب والابن يوقنان بتحقق وعد الله، لأنهما يؤمنان أن الله لا يخلف الميعاد.
وعد الله ليوسف:
ثانيًا: بدأت الأحداث بداية مثيرة، لم يتوقعها الطفل الصغير، حيث فوجئ بحقد إخوته عليه، إذ ألقوه في غيابة الجب، وبينما كان الطفل يعيش دهشة تآمرهم عليه، أوحى الله له بأنه سينجو من هذه المحنة، ويخرج منها سالمًا، وسيأتي يوم يُذكِّر فيه إخوانه بجريمتهم ضده.
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) [يوسف: 15] .
التمكين الصغير ليوسف في بيت العزيز:
ثالثًا: أخرج الله يوسف من محنة غيابة الجُب سالمًا، وقدّر أن يُباع عبدًا في مصر، وأن يشتريه عزيز مصر، الرجل الثاني فيها بعد الملك، وهذا تمهيد للأحداث التي سيمر بها يوسف، والتي ستقود إلى تأويل رؤياه، وتحقيق ما وعده الله به.
وقد علقت الآيات على استقرار يوسف عبدًا رقيقًا في بيت العزيز. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 21 - 22] .
مكّن الله ليوسف في الأرض، وهيأ له الإقامة في بيت العزيز، حيث أكرمه الأخير، وأوصى به امرأته خيرًا، وفعل الله ذلك به، ليعلّمه من تأويل الأحاديث، وتعبير الرؤى، وهذا كله تهيئة للأحداث الأخيرة في حياته، التي يتحقق فيها وعد الله له.
والله غالب على أمره، يفعل ما يشاء، ويوجد ما يريد، ويقدر الأحداث، ويرتب الأمور، لتحقيق أمره، وإنفاذ وعده، ولا يعجزه شيء، ولا يقف أمامه مخلوق. ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقائق الإيمانية.
التمكين الكبير ليوسف على خزائن الأرض: