رابعًا: بعد استعراض مصارع المكذبين السابقين، من قوم نوح وعاد وثمود ومدين وقوم فرعون، جاء التعقيب على ذلك بأخذ العبرة. قال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ) [هود: 100 - 103] .
تلخص هذه الآيات ما جرى بين جند الحق وجند الباطل، على مدار التاريخ البشري، منذ نوح حتى محمد عليهما الصلاة والسلام، وتبرز إهلاك الظالمين الكافرين، وتدعو إلى ملاحظة آثارهم، فها هي المدن والقرى التي كانوا فيها باقية، منها ما هو قائم في أطلاله، ومنها ما هو حصيد مدمَّر، وأهلها الكافرون هم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم وطغيانهم، وعجزوا عن دفع عذاب الله لما وقع بهم.
وهذه سنة الله في أخذ الكافرين المعادين للحق، على اختلاف الزمان والمكان، والله منتقم جبار، وأخذه للأعداء أليم شديد، يقصمهم قصمًا، ويجعلهم عبرة لمن يعتبر.
ولكن لا يعتبر من ذلك إلا المؤمنون الصالحون، الذين يخافون عذاب الآخرة، ويتمتعون ببصائر إيمانية هادية. أما الآخرون فإنه مطبوع على قلوبهم، مطموس على أبصارهم، لا يعتبرون ولا يتعظون!!.
وهذا التعقيب المقصود الهادف يقدم للمؤمنين البشرى بانتصار الحق وهزيمة الباطل، ويدعوهم إلى انتظار موعود الله لهم، واستشراف المستقبل المشرق، وإسراع السير إليه بثبات ويقين.
ويستفيد من هذا التعقيب المسلمون الصادقون، على اختلاف الزمان والمكان، لأنهم يعيشون فترة انطباق السنة الربانية على أعدائهم الذين يحاربونهم، ويفرحون بانطباق قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) على أولئك الأعداء!.
أثر الوعد في تثبيت قلوب المؤمنين:
خامسًا: ختمت سورة هود بذكر الهدف من ذكر أنباء الرسل فيها، وأثر ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وتحدي الأعداء، وتهديدهم بالهزيمة، ووعد المؤمنين بالفرج والنصر، ودعوتهم لانتظاره. قال تعالى: (وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ، وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ، وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [هود: 120 - 123] .
من فوائد ذكر قصص الأنبياء في القرآن، تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب المؤمنين، لأن هذا القصص معرض لتطبيق سنن الله على الواقع، ولأن نهايات القصص تدمير الكافرين ونجاة المؤمنين، وفي هذا بشرى وأمل للمؤمنين، تطمئن به قلوبهم.
وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحدى الكافرين قائلًا لهم: (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ، وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) .