وسيستخلف الله قومًا غيركم، يرثونكم، ويأتون مكانكم، فهذه سنة الله التي لا تتخلف.
وقد حقق الله سنته، فأنجى هودًا والذين معه، وأهلك قومه الكافرين، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ، وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) [هود: 58 - 60] .
العمل المتواصل وارتقاب الموعود:
ثالثًا: ذكرت آيات السورة بعض ما جرى من كلام وحوار بين شعيب عليه السلام وبين قومه مدين. ومن ذلك صبر شعيب عليهم وتحديه لهم. قال تعالى: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) [هود: 93] .
معنى: (عَلَى مَكَانَتِكُمْ) . على طريقتكم وخطتكم وبرنامجكم.
بعدما بلّغ شعيب عليه السلام قومه الدعوة، اتضح لهم طريقان: طريق الحق وطريق الباطل. الحق الذي يمثله شعيب عليه السلام، وأتباعه المؤمنون والباطل الذي يمثله الملأ من قومه، وأتباعهم الكافرون.
ولكل فريق منهما مكانة وطريقة وبرنامج عملي: برنامج عملي إيجابي، يقوم على العبادة والدعوة والعمل الصالح، يقوم به شعيب عليه السلام وأتباعه المؤمنون. وبرنامج عملي سلبي خبيث، يقوم على الكفر والبغي والظلم والطغيان، ونشر الفساد والإفساد بين الناس، ومحاربة الحق وأهله .. وشتان بين العملين والبرنامجين.
ولذلك تحدى شعيب عليه السلام قومه بقوله: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ) .
أي: كل منا يعمل، وفق خطته، وكل منا يسعى في إبطال عمل الآخر، فأنتم عاملون على هزيمتي والقضاء على دعوتي، وأنا عامل على نشر دعوتي، وعلى إزهاق باطلكم، والقضاء على سلطانكم، فاعملوا، وأنا أعمل!.
والمستقبل لنا وليس لكم، إننا ننتظر ما وعدنا الله به من النجاة والنصر، وننتظر ما توعّدكم الله به من العذاب، ونحن نوقن أن هذا آت لا محالة، وعندما يحل ذلك بكم ستعلمون: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ) .
واستمر شعيب عليه السلام في تحديهم، فقال: (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) . أي: ارتقبوا نهاية الصراع بيني وبينكم، ووقوع العذاب بكم، فأنا رقيب أرقب ذلك، فالزمن جزء من العلاج.
ولما شاء الله إنهاء قصة شعيب عليه السلام مع قومه، حقق الوعد والوعيد. قال تعالى: (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) [هود: 94 - 95] .
سنة الله في أخذ الظالمين: