ثانيًا: قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 127 - 129] .
تتحدث هذه الآيات عن مشهد من مشاهد قصة موسى عليه السلام مع فرعون، ليأخذ المسلمون منها الدلالة والعبرة.
وكان حديث الآيات السابقة عن إيمان السحرة بموسى عليه السلام، ومفاجأة فرعون بذلك، وتهديدهم بالقتل والصلب والهلاك والفناء.
أما هذه الآيات فإنها تتحدث عن تهييج الملأ لفرعون، ضد موسى وأتباعه المؤمنين، وتحريضه على قتلهم، وتوعّد فرعون بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم.
وواجه موسى عليه السلام هذا الوعيد والتهديد، بدعوة أتباعه إلى الإيمان بالله، والاستعانة به، والتوكل عليه، والصبر على كل ما يلاقون من العذاب ..
ووعدهم الفرج والخلاص والنجاة، فالأرض لله وليس لفرعون، والله يزيل الطغاة الظالمين، ويورثها عباده المؤمنين الصابرين.
ولكن بني إسرائيل كانوا متوتّرين نزقين، ضيقي الصدور، فلم يستجيبوا لوصية موسى عليه السلام، ولم يأخُذوا ما بشّرهم به، وآذوه قائلين: (أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) .
موسى يشير إلى الوراثة بين الأمم:
ولكن موسى عليه السلام لم يفقد هدوءه وصبره عليهم، وأعاد لهم البشرى بالفرَج، والوعد بالخلاص والنصر والتمكين، وقال لهم: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) .
لقد لفت موسى عليه السلام أنظارهم إلى سنة ربانية مطردة، هي سنة التداول والوراثة بين الأمم، حيث يُنهي الله الأمة، عندما ينتهي عمرها، ويحين أجلها، ويأتي بأمة جديدة مكانها، تخلفها في السلطة، وترثها في الأرض.
ولقد طغى فرعون وظلم، فاستحق الهلاك والعذاب من الله، وبنو إسرائيل آمنوا، فاستحقوا الاستخلاف في الأرض .. وهذه سنة الله!.
وتابعت آيات السورة استعراض لقطات ومشاهد، مما جرى بعد ذلك لموسى وأتباعه مع فرعون: [130 - 135] . وكيف كان فرعون يزيد تعذيبه لهم، وينكث وعده لموسى بالإيمان، والإفراج عن بني إسرائيل، ولا يحسن فهم الآيات التي أخذ الله بها قومه، فاستحق بذلك الهلاك والعذاب.
الله يورث بني إسرائيل الأرض:
وانتهت المواجهة بين موسى عليه السلام وبين فرعون، النهاية المعروفة، المتفقة مع سنة الله، في إهلاك الظالمين، وإنجاء المؤمنين.
قال تعالى: (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ، وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف: 136 - 137] .
انتقم الله من فرعون وجنوده، وأغرقهم في اليم، بسبب طغيانهم وظلمهم، وتكذيبهم بآيات الله، واستعبادهم لعباد الله.