وتحدث القرآن عن آجال الأمم المحدّدة في عدة آيات، إضافة إلى هذه الآية من سورة الأعراف. منها قوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ، مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَاخِرُونَ) [الحجر: 4 - 5] .
ومنها قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [النحل: 61] .
أجل الحياة الدنيا:
3 -الأجل المتعلق بالدنيا: فالله خالق الكون كله، بما فيه من سماوات وأرض، ونجوم وكواكب، وشمس وقمر. وحدد لهذا الكون عمرًا، وقضى له أجلًا، فإذا جاء هذا الأجل المسمى المحدد، أزال الله هذا الكون، وأنهى الحياة الدنيا، وقضى على الشمس والقمر والأرض والنجوم، وبذلك تبدأ الحياة الآخرة الدائمة الباقية.
قال تعالى: (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى) [الرعد: 2] .
فالشمس والقمر يجريان ملايين السنين، دون توقف أو عطب أو تلف، لكن الله حدد لهما أجلًا مسمى، إذا جاء أفناهم وقضى عليهما.
قال تعالى: (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى) [الأحقاف: 3] . فالسموات والأرض لهما أجل مسمى معين محدد، إذا جاء أفناهما الله، وأزال الحياة الدنيا، وبدأت الحياة الآخرة.
تدافع الأمم وتعاقبها:
وحديث سورة الأعراف عن الأجل المحدد لكل أمة، يقدم وعدًا ناجزًا، بإزالة قوة وسلطان أمم قوية، وإيجاد أمم أخرى وارثة لها: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) .
وهذه الآية تقرر حقيقة قرآنية تاريخية، حول (تعاقب) الأمم، وتدافعها فيما بينها، وتداو الأيام والزمان بينها، فللأمم أعمار مثل الأفراد، فالإنسان يولد صغيرًا، ثم يكون فتى فشابًا فكهلًا فشيخًا، ثم عجوزًا هرمًا، ثم يتوفاه الله .. وهكذا الأمم: تنشأ الأمة وتتحرك بحركة فتية، ويقوى سلطانها، وتعلو كلمتها، وتهابها باقي الأمم، ثم تكبر وتشيخ، ثم تهرم وتعجز، ثم تنتهي من التأثير والسلطة، وتتحول من القيادة إلى التبعية، فتذل لأمة أخرى، وتعجِز أمامها! وسبحان الباقي القوي الواحد القهار.
لقد انتهت أمة اليونان عندما جاء أجلها، وانتهت أمة الرومان عندما جاء أجلها، وانتهت أمة الفرس عندما جاء أجلها، وورثها الإسلام الحي المؤثر ..
وانتهت في العصر الحديث أمم كبرى عندما جاء أجلها؛ كالفرنسيين والإنكليز، والروس والألمان واليابان .. وأمريكة الآن دولة قوية، وأمة عظمى، تتحكم في العالم، ولكنها لن تكون مخلّدة، فالله حدد لها أجلًا، لا بد أن يأتيها، فإذا حان أجلها أنهاها الله، وأزالها عن مركز السيطرة والهيمنة، وهذا وعد نافذ عند الله. وسيرثها الإسلام العظيم، الذي جعله الله دين العالمين حتى قيام الساعة!.
موسى بعد أتباعه بالفرج والنصر: