الصفحة 41 من 152

سورة الأعراف مكية، نازلة في الفترة الحرجة الشديدة نفسها، التي مرت بها الدعوة الإسلامية في مكة، والتي تحدثنا عن بعض ملامحها في المبحث السابق، الذي عرضنا فيه الوعد القرآني في سورة الأنعام، ولذلك كان من أهداف السورة تفنيد شبهات ودعاوى المشركين، والانتصار للحق، وتعليم المؤمنين الحجة، وملء قلوبهم بالأمل واليقين بانتصار الإسلام وأهله، وهزيمة الكفر وأهله، وتقديم الوعد الجازم النافذ بتحقيق ذلك.

وحققت السورة هذه الأهداف، عن طريق (استعراض) الموكب الإيماني الكريم، الذي يقوده الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، في مواجهة الكافرين المكذبين، حيث كان سياق السورة المتتابع يتوقف في (محطات) خاصة، للعبرة والعظة، يبرز فيها نهاية كل جولة من جولات الصراع بين الحق والباطل، التي تحققت في انتصار الحق، ونجاة الرسل وأتباعهم المؤمنين، وهزيمة الكفر وإهلاك الكافرين.

بدأ الاستعراض بقصة آدم عليه السلام ضد إبليس، ومر بقصة نوح عليه السلام، ثم بقصة هود، ثم بقصة صالح، ثم بقصة لوط، ثم بقصة شعيب، عليهم الصلاة والسلام، وكانت الوقفة طويلة أمام قصة موسى عليه السلام أمام فرعون، عرضت فيها لقطات منوعة من قصة بني إسرائيل، وأدانتهم لخروجهم على شرع الله!.

ودل الاستعراض الهادف على حقيقة قرآنية إيمانية، هي: هزيمة الباطل، وإهلاك أهله الكافرين، وفشلهم في مواجهة الحق، وانتصار الحق وأهله، والتمكين لهم في الأرض.

وتؤخذ هذه الحقيقة المقررة للوعد القرآني من آيات السورة التالية:

الحديث عن الآجال الثلاثة:

أولًا: قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: 34] .

تتحدث الآية عن أعمار الأمم وآجالها، فإذا ما انتهى عمر أمة وجاء أجلها، انتهت وزالت.

لقد جعل الله الحكيم للمخلوقات آجالًا ثلاثة:

أجل كل إنسان:

1 -الأجل الخاص بكل إنسان: حيث حدد الله لكل إنسان عمره، وقدّر له أجله، فإذا انتهى عمره ودنا أجله، قبضَه وأماته.

وقررت هذه الحقيقة المتفق عليها، آيات عديدة من القرآن؛ منها قوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) [الزمر: 42] .

وإذا دنا أجل إنسان، وأتاه ملك الموت لقبض روحه، وطلب التأخير، فإنه لا يستجاب له، لأنه لا يؤخّر الأجل، قال تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون: 10 - 11] .

أجل كل أمة:

2 -الأجل المتعلق بكل أمة: فالله هو الذي يوجد الأمة ويمكّن لها في الأرض، وينعم عليها بالعديد من النعم، ويطالبها بذكره وشكره، وهو سبحانه يحدد لها عمرها، ويقدر زمنًا معينًا لقوتها وسلطانها، ونفوذها ووجودها ..

فإذا جاء أحل الأمة، أوقع الله بها أمره، وقضى عليها، وذلك إما بتدميرها وإهلاكها، كما فعل مع الأقوام السابقين، كقوم نوح وعاد وثمود، وإما بإضعافها وإزالة نفوذها، وتقلّص سلطانها.

كما حصل مع الروم والفرس والهنود في الماضي، وكما حصل مع أمم قوية معاصرة؛ كالإسبان والطليان، والإنكليز والروس والألمان!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت