ويدعوهم الله إلى مواجهة ذلك كله بالصبر والاحتساب، وكلما أصابتهم مصيبة؛ في أنفسهم أو أموالهم، أو أهليهم أو ممتلكاتهم، يتذكرون أنهم عباد، خاضعون لله، وأن حياتهم في الدنيا قصيرة زائلة، وهم راجعون بعدها إلى الله، ويقولون: إنا لله، وإنا إليه راجعون.
وصبرهم على ما يواجههم من ابتلاءات ومحن، يدفعهم إلى الثبات على الحق، والرضا بقدر الله، والثقة بما عنده، وإشغال أوقاتهم بطاعة الله وعبادته، والابتعاد عما حرم عليهم!.
هؤلاء العباد الصابرون، يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبشرهم: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) .
وصبرهم على ما يلاقون أهّلهم لنيل البشرى من الله، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، مما يدل على عظم مكانة الصبر عند الله، وعلو منزلة صاحبه.
والبشرى للصابرين مطلقة، عامة شاملة، تشمل كل خير وفوز وفلاح، يبشّرون به في الدنيا والآخرة.
وكما أن صبرهم زاد ضروري لهم في حياتهم، يتزودون به في قطع الطريق إلى الله، وتحمل مشقاته وابتلاءاته ومحنه، كذلك البشرى من الله حافز كبير لهم، يدفعهم إلى مزيد من الجهد والاجتهاد، والصبر والاحتساب.
وفرق بعيد بين من يصبر على البلاء رغم أنفه، وهو يائس قانط محبط، كاره لحياته ومسيرته، وبين من يصبر على ذلك وهو مستبشر فاعل، إيجابي نشيط، يستعذب المصائب، ويستمتع بالمشقات، والبشرى تملأ عليه حياته!!.
البشرى للمؤمنين المجاهدين:
سادسًا: قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [التوبة: 111 - 112] .
أكرم الله المؤمنين الصادقين، بأن اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، وجعل ثمن هذه الصفقة الجنة، يدخلهم فيها منعمين مكرّمين، لكن طريقة تسليم الأنفس والأموال المباعة، هي جهادهم الصادق في سبيل الله، وقتالهم المستمر لأعداء الله.
وأكرم الله المؤمنين الصادقين إكرامًا آخر، بأن جعل هذه الصفقة الكبيرة وعدًا عليه حقًا، ألزم نفسه بإنفاذه رحمة وكرمًا وفضلًا، وجعل هذا الوعد في كتبه الثلاثة المنزلة: التوراة والإنجيل والقرآن.
ودعا الله هؤلاء المؤمنين إلى الاستبشار بقبول هذا البيع، الذي باعوه لله: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .
وما أعظم أن يجاهد المجاهد في سبيل الله، ويقتحم الميدان، ويقاتل الأعداء، وهو مستبشر سعيد مسرور، راض عن ربه الكريم، موقن بإنجاز وعده العظيم، مقبل عليه بحيوية وتفاعل، وشجاعة وإشراق!.
ولا بد للمؤمنين المجاهدين من أن يتصفوا بالصفات الإيجابية العظيمة، التي ذكرتها الآية الثانية، ليَصْدُقوا في البيعة، وينالوا الثمن والجزاء والكرامة: التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون، الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر.
هؤلاء المؤمنون هم أكرم الناس على الله، وهم أفضل من على وجه الأرض، يباهي الله بهم ملائكته، ويحوطهم بحفظه ورعايته.