هؤلاء العباد الذين يبشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ينزل الله عليهم ملائكته عند احتضارهم لطمأنتهم وتأمينهم وتبشيرهم، ليغادروا هذه الدنيا سعداء آمنين مطمئنين. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) [فصلت: 30 - 32] .
البشرى للأولياء في الدنيا والآخرة:
رابعًا: قوله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس: 62 - 64] .
تقرر هذه الآيات حقيقة قاطعة، وهي تأمين وحفظ وحماية الله لأوليائه، المؤمنين المتقين، وبما أن الله يحفظهم ويحميهم، فإنهم يعيشون حياتهم بدون خوف من المستقبل، ولا حزن على الماضي.
وتقدم الآيات صفتين عظيمتين لهؤلاء الأولياء: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) : الإيمان العظيم الحي، المؤثر المحرك، الذي ينتج عنه العمل الصالح والاستقامة. ثم التقوى العظيمة لله، التي تحول بين صاحبها وبين ارتكاب ما حرم الله، أو ترك ما أوجب الله، وتجعله يعيش معنى معية الله، ومراقبته له.
هؤلاء الأولياء يستحقون البشرى العامة، الشاملة المطلقة: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا) .
وبشراهم في الدنيا تشمل كل مجالات حياتهم، فبما أنهم أولياء الله، مؤمنون متقون، فإن الله يوفقهم ليعيشوا الحياة الطيبة المباركة السعيدة، عابدين ذاكرين مطيعين لله، ومعلوم أنه لا طعم ولا معنى للحياة، إن لم يعشها صاحبها في عبادة الله وطاعته.
وهم مفلحون في أعمالهم، ناجحون في أدائهم لها، فائزون في نهايتها، وسجل الله لهم أجرها وثوابها.
وبشراهم في الآخرة تتحقق، عندما يظلهم الله في ظله، وهم في ساحة الموقف، وعندما يتجاوز عن ذنوبهم، ويثقل موازينهم، ويعطيهم كتبهم بأيمانهم، ويدخلهم الجنة برحمته وفضله، ويجعلهم منعّمين خالدين فيها أبدًا.
وأخبرت الآيات أنه لا تبديل لكلمات الله: (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ) . أي: لا تغيير للحقائق المذكورة في هذه الآيات، ولا تراجع عن البشرى للأولياء المبشّرين، وهذا هو الفوز العظيم، الذي يمنّ الله به على أوليائه: (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .
البشرى للصابرين:
خامسًا: قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155 - 157] .
يخبر الله المؤمنين أن حياتهم قائمة على الابتلاء والاختبار والامتحان، حتى يوطنوا أنفسهم على ذلك، ويستعدوا لمواجهته، ولا يفاجَؤوا به. وهو سبحانه سيبتلي المؤمنين بشيء من الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.