الصفحة 32 من 152

وقد تحققت هذه البشرى بعد ذلك، عندما أنجى الله موسى عليه السلام ومن معه أجمعين، وأغرق فرعون وجنوده، واستخلف بني إسرائيل، وأورثهم الأرض، قال تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف: 137] .

القرآن يبشر المؤمنين:

ثانيًا: قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء: 9] .

القرآن كتاب تبشير، فهو يرشد المؤمنين للخير، ويهديهم للطريق الأقوم والأصلح، ويقدم لهم البشرى بالفلاح والنجاح والفوز، في الدنيا والآخرة.

وتكمن البشرى القرآنية في وعوده الصادقة المتحققة، التي يعد بها المؤمنين الصالحين، كما تكمن في ما يذكره القرآن من قصص السابقين، ويركز على مواطن الصبر فيها، بإهلاك أهل الباطل، وانتصار أهل الحق.

واللطيف في التعبير القرآني، أن هذه الآية: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) جاءت بعد عدة آيات، تحدثت عن إفسادين كبيرين لبني إسرائيل، مقرونين بعلو واستكبار، موجّهين ضد الأمة المسلمة، وذكرت كيفية القضاء على ذينك الإفسادَيْن وإزالتهما.

فمن المناسب أن يأتي الحديث عن تبشير القرآن للمؤمنين، بعد الحديث عن إزالة الإفسادين اليهوديين، ليكون من مظاهر التبشير القرآني تقريره أن إزالة الإفسادين حقيقة قرآنية قاطعة، وبشرى قرآنية واقعة!.

واللطيف أيضًا: أن التعبير عن التبشير القرآني جاء بصيغة الفعل المضارع: (يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) ، ذلك الفعل الدال على التجدد والاستمرار. وهذا معناه: أن البشرى القرآنية متجددة، فكلما قرأ المؤمن البصير المبتلى آيات القرآن بوعي وتدبر وبصيرة، كلما تزود من تلك البشرى بالزاد العظيم الذي يعينه على الثبات والصبر.

الأمر بتبشير العباد الصالحين:

ثالثًا: قال تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [الزمر: 17 - 18] .

يُثني الله في هاتين الآيتين على عباده الصالحين المتقين، الذين يستحقون البشرى المشرقة، فهم مؤمنون، اجتنبوا عبادة الطاغوت، وعبدوا الله وحده، وأنابوا له وحده، واستمعوا كلامه، واتبعوه والتزموه، واهتدوا به، وبذلك كانوا من أولي الألباب الواعية، وأصحاب العقول الكبيرة.

هؤلاء لهم البشرى من الله، بأن يعيشوا في الدنيا حياة طيبة سعيدة، في ظلال ذكر الله وطاعته، وبأن يتنعموا في الآخرة بجنته.

هؤلاء العباد الربانيون مكرمون عند الله، ولذلك يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبشرهم بالخير والفلاح، وذلك لتشرق أرواحهم، وتستنير قلوبهم، وتنشط هممهم، وتقوى عزائمهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت