الصفحة 31 من 152

الفصل الثامن القرآن يبشّر المؤمنين الصالحين

يوقن المؤمن أن وعد الله منجَز متحقق، لأن الله لا يخلف الميعاد، ولذلك هو يصدق به، ويثق به ثقة مطلقة، ويتذكره دائمًا وهو يواجه الأعداء الكافرين، ويتحداهم ويتصدى لهم.

يتذكر وعد الله دائمًا في هذه المواجهة، ليصبر على شدائدها، ويتحمل تكاليفها، وينتظر يوم النصر، ويوقن بتحققه ولو تأخر قليلًا.

يجب أن يستبشر المؤمن البشرى المطلقة، بأن المستقبل لدينه، والهزيمة لأعدائه، وهذه البشرى تملؤه أملًا، وتدفعه إلى مزيد من الجهاد والعمل، وتقضي على وساوس الشيطان له، ومحاولاته إحباطه وتيئيسه، وإماتة الأمل والأماني المشرقة عنده!.

وفي القرآن آيات كثيرة تدعو إلى تبشير المؤمنين المجاهدين، المواجهين لأعداء الله، وتطلب منهم عدم اليأس والإحباط والقنوط، وتزيل وساوس الشيطان في نفوسهم، وإبطاله لأمنياتهم!.

ولنقف مع بعض هذه الآيات، لنأخذ منها البشريات والآمال، نستعين بها على مشقات الطريق الطويل، ونعالج بها هواجس اليأس والقنوط والإحباط!.

موسى يبشر أتباعه المؤمنين:

أولًا: قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 87] .

تدل هذه الآية على أن التبشير بالفرج والنصر ليس خاصًا بهذه الأمة، إنما هو عام لكل مسلمين مواجهين لقوى الباطل، وكان الرسل السابقون عليهم الصلاة والسلام يبشرون أتباعهم المؤمنين بالفرج والنصر.

ففي هذه الآية، يأمر الله موسى وهارون عليهما السلام أن يتبوأا البيوت الخفية السرية لقومهما الإسرائيليين في مصر، التي كانوا يواجهون فيها تعذيب فرعون وآله، وأن يجعلوا تلك البيوت قبلة لهم، يعبدون الله فيها، ويقيمون فيها الصلاة.

وأمر الله موسى عليه السلام أن يبشر أتباعه المؤمنين بقرب الخلاص والفَرَج. ونفذ موسى عليه السلام أمر الله، وبشرهم البشرى المشرقة، وسط"تبرمهم"منه، واعتراضهم عليه، واستبعادهم الفرَج، وانزعاجهم من طول الطريق وشدته!.

وعلى هذا قوله تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 128 - 129] .

موسى عليه السلام يطلب من الإسرائيليين المعذبين المضطهدين، أن يستعينوا بالله ويصبروا، ويبشرهم بأن الفرَج آت، فالأرض لله، يورثها من يشاء من عباده، وينزعها ممن يشاء من عباده، ويهلك الكافرين الظالمين، ويجعل العاقبة لعباده المتقين.

لكن قومه كانوا غلاظًا قساة القلوب، فلم يقبلوا هذا التبشير، وإنما تبرموا به وبدعوته، وقالوا له: لم نستفد منك شيئًا، فقد نالنا الأذى والعذاب من فرعون قبل أن تأتينا، وها هو العذاب والأذى يُصَبّ علينا من بعد ما جئتنا، فماذا استفدنا منك؟ ولماذا لم توقف هذا الإيذاء عنا؟.

رد موسى عليه السلام على اعتراضهم وتبرّمهم، بتبشير صريح لهم، وقال: عسى الله أن يُهلك فرعون وجنوده، ويفرج عنكم ما أنتم فيه، ويستخلفكم من بعدهم في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت