الصفحة 146 من 152

قدم عدي المدينة، ولما وصلها توجه للرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان في المسجد، وكان عدي يضع في عنقه صليبًا من فضة.

ولما دخل المسجد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا) [التوبة:31] .

أخبر الله أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم، والمسيح ابن مريم أربابًا من دون الله.

ولم يفهم عدي لما سمع الآية كيف اتخذوهم أربابًا، وكيف عبدوهم، لذلك حمل العبادة على الصلاة، وأنهم صلَّوا لأحبارهم ورهبانهم!.

ولذلك اعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قائلًا: والله ما عبدناهم.

فوضح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم معنى العبادة، وأنها هنا تعني الطاعة والاتباع، وقال له:"لقد أحَلُّوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فتلك عبادتهم لهم!".

فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن اسمه قائلًا:"من الرجل؟".

قال: عدي بن حاتم!.

قال:"الفارُّ من الله ورسوله!".

ثم طرح الرسول صلى الله عليه وسلم عليه بعض الأسئلة التقريرية، ليؤثر في قلبه، ويُقربه إلى الإسلام.

قال له:"يا عدي بن حاتم! ما أفَرَّك؟ أفرّك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل من إله إلا الله؟."

يا عدي: ما أفرّك؟ أفرك أن يقال: الله أكبر؟ وهل شيء أكبر من الله؟"."

فتأثر عدي بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وأُعجب بشخصيته وكرمه.

عدي في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ثم دعا الرسول صلى الله عليه وسلم عديًا ليكون ضيفه، فأخذ بيده، وخرجا من المسجد، متوجهين إلى البيت.

وفي الطريق اعترضت امرأة ضعيفة كبيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوقفته تسأله، فوقف لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقف معه ضيفه. وطالت وقفتها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يكلمها بأناة وسعة صدر .. وأعجب عدي بتواضع الرسول صلى الله عليه وسلم، ورحمته بأمته. وقارّن بين هذا الموقف منه وبين ما يعرفه من ظلم وتجبر وتكبر الملوك، الذين يعتبرون أنفسهم آلهة، ويستعبدون شعوبهم لهم.

قال: فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك!.

ثم دخلا بيت النبي صلى الله عليه وسلم .. ونظر عدي في متاع البيت، فلم يجد فيه شيئًا يرد البصر. كان غرفة صغيرة، أرضها تراب، وليس على الأرض إلا وسادة صغيرة بالية، حَشْوُها ليف!.

دفع الرسول صلى الله عليه وسلم الوسادة البالية إلى ضيفه ليجلس عليها! أين سيجلس الرسول صلى الله عليه وسلم؟.

لم يقبلها عدي لنفسه، أن يجلس هو على الوسادة، ويجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض، لذلك أعادها، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يجلس عليها، لأنه ضيف، وإكرام الضيف واجب!.

جلس عدي على الوسادة، وجلس الرسول صلى الله عليه وسلم أمامه على الأرض!. وقارن عدي بين هذا الموقف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين مواقف الملوك المتكبرة، وقال في نفسه: والله ما هذا بملك!.

تأثر عدي كثيرًا بتواضع الرسول صلى الله عليه وسلم، وبساطة عيشه، وزهده في الدنيا، وعرف أنه لو كان طالب زعامة لما كانت حياته بهذه البساطة، ولما كان بهذا التواضع. ثم إنه كريم، يقدر الآخرين ويكرمهم، فقد أكرم أخته سفانة ووصلها وأنفق عليها، وها هو يكرمه هو! وبذلك صار عدي قريبًا من الإسلام!.

لكن هناك أشياء يفكر فيها عدي، تبعده عن الإسلام، فصار بين شد وجذب، أشياء تبعده، ومواقف الرسول صلى الله عليه وسلم تقربه!!.

ولمح رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجول في نفس عدي من وساوس وخواطر، وعرف الأشياء التي تحول بينه وبين الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت