الصفحة 145 من 152

ثالثًا- وعود رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه:

عدي بن حاتم، هو ابن حاتم الطائي، الكريم العربي المشهور، أكرم العرب، الذي يضرب به المثل في الكرم، وقد مات حاتم الطائي قبل الإسلام.

كان عدي بن حاتم نصرانيًا، وكان زعيمًا لقومه (طيِّئ) بعد وفاة أبيه. ولما سمع ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم كرهَهُ كراهية شديدة، وملأ قلبه بُغْضًا له، وحقدًا عليه لا لشيء إلا لأن عديًا نصراني، ومحمدًا صلى الله عليه وسلم جاء بدين جديد.

وكانت قبيلة (طيِّئ) تعيش في منطقة (حائل) شمال نجد، حول جَبَلَيْ (أجأ وسلمى) المعروفين هناك.

وكان يخشى أن يُوجّه الرسول صلى الله عليه وسلم جيشًا لحرب قومه (طيّئ) ، ويعلم أنه لا طاقة له بمواجهة المسلمين، ولذلك جعل إبله جاهزة ليهرب عليهما إلى بلاد الشام.

وفي شهر ربيع الآخر من السنة التاسعة للهجرة جهّز رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية مكونة من مئة وخمسين مجاهدًا، وأمّر عليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمره بالتوجه إلى (طيّئ) .

عدي يهرب من جيش الرسول صلى الله عليه وسلم:

قال عدي رضي الله عنه من هروبه إلى الشام: ما رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني .. أنا امرؤ شريف، وكنت نصرانيًا أسير في قومي بالمرباع [يأخذ ربع غنائمهم لأنه زعيمهم] فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكًا في قومي، لما كان يُصْنَعُ بي ..

فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهْتُه، فقلت لغلام لي كان يرعى إبلي: اعدُد لي من إبلي جمالًا سمانًا، فاحبسها قريبًا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذنّي ..

فأتاني ذات غداة فقال لي: ما كنت صانعًا إذ غشيَتْكَ خيلُ محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات، فلما سألت عنها قالوا: هذه جيوش محمد!.

فقلت: قرِّبْ لي جمالي، فقرّبها، وحملتُ عليها أهلي وولدي، ولحقت بأهل ديني النصارى في الشام، وخلَّفْتُ ابنة حاتم.

ولما هرب عدي بن حاتم بأهله إلى الشام وصل المجاهدون طيّئ، وهزموا أهلها، وأخذوا كثيرًا من الأسرى، واستولوا على الغنائم، وعادوا بكل ذلك إلى المدينة.

وُضِع الأسرى في حظيرة بجانب المسجد، وكان من بينهم (سَفّانة بنت حاتم) أخت عدي، وكانت امرأة فصيحة جزلة عاقلة.

مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى، فوقَفَتْ له سفانة بنت حاتم تكلّمه، وقالت له: يا رسول الله! هلَك الوالد، وغاب الوافد، فامْنُنْ علي، منّ الله عليك!.

قال لها:"مَنْ وافِدُك؟".

قالت له: عدي بن حاتم!.

قال لها:"ذلك الفارّ من الله ورسوله!".

فمضى صلى الله عليه وسلم وتركها .. وفي اليوم التالي، مر بها، وكلمته بنفس الكلام، ورد عليها بنفس الرد.

وفي اليوم الثالث قال لها بعد ما كلّمَتْه:"قد منَنْتُ عليك، لكن لا تعجلي بالخروج حتى تَجِدي من هو ثقة من قومك، ليبلغك بلادك".

وبعد أيام جاء وفد من بليّ أو قضاعة، فقالت سفّانة للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! قَدِم وفد من قومي، لي فيهم ثقة وبلاغ!.

فكساها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاها مالًا ونفقة وراحلة .. وخرجت مع القوم، حتى وصلت أخاها عدي بن حاتم في الشام!.

وقفت سفّانة على أخيها عدي ولامته ووبخته، وقالت له: أنت القاطع الظالم، احتملت أهلك وولدك، وتركت عورتك بقية والدك!.

قال لها: يا أُخيّة! لا تقولي إلا خيرًا، لقد صنعت ما ذَكَرْت، ووالله ما لي من عُذْر!.

اعترف عدي لأخته بخطئه، حيث لم يأخذها معه عندما هرب، مما أوقعها في الأسر، ثم دعته أخته للقدوم إلى المدينة، والوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه يُقدِّر الرجال.

عدي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت