ومع ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم واثق ثقة مطلقة أنه سيتجاوز هذه الحالة، وما فيها من شدة ومحنة، وأن الفرج سيعقُبُ الكرب، وأنه سوف ينتصر ويظهر دينه، وتُفتح له البلاد والعباد.
ولذلك يكتب كتاب أمان للرجل المشرك الذي جاء ليأخذه للمشركين!!. وهذا عجب!! فالمطارد الغريب الضارب في الصحراء في منتهى الأمان، يكتب كتاب أمان وموادعة للرجل الطامع، الذي جاء لإلقاء القبض عليه!!.
ولا يكتفي بهذا صلى الله عليه وسلم، وإنما يعد الكافر الذي يطلبه، أنه سوف يسلم، وسيبقى حيًا، حتى يرى انتصار الإسلام وهزيمة الكفار، وسيرى هزيمة دولة الفرس، وسيلبس سوارَيْ كسرى!.
هكذا كان أمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر، وهكذا كان يقينه بتحقق ما وعده به الله!.
ومضت ثماني سنوات على كتاب الأمان الذي مع سراقة بن مالك، شهد فيها انتصار الإسلام واندحار الشرك، وتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الثامنة لفتح مكة.
وأتاه سراقة بن مالك قبل دخوله مكة، ومعه كتاب الأمان الذي كتبه له، فوجده وسط الجيش، وأراد أن يخلص إليه، فمنعه المسلمون خوفًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، وقالوا له: إليك، إليك، ابتعد!!.
فرفع سراقة يده بالكتاب، ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: يا رسول الله! هذا كتابك!.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يوم وفاء وبر .. ادنُ".
فدنا سراقة بن مالك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلن إسلامه بين يديه، وكان سراقة بن مالك منذ أن رأى حماية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو في طريق الهجرة، يجهر بتأييد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم أنه لم يسلم رضي الله عنه إلا يوم فتح مكة.
وقد كان أبو جهل (أبو الحكم) زعيم المشركين ينهى سراقة عن ذلك، ويُهيّج قبيلته بني مُدْلِج عليه ليمنعوه. وكان مما قاله أبو جهل لهم:
بني مُدْلِج إني أخاف سفيهكم ... سراقة مُسْتَفْو لنصر محمد ...
عليكم به ألا يفرِّق جمعكم ... فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
ولكن سراقة بن مالك رد على أبي جهل قائلًا:
أبا حكم واللات لو كنت شاهدًا ... لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه ...
عجبت ولم تشكك بأن محمدًا ... نبي وبرهان فمن ذا يقاومه ...
عليك بكف الناس عنه فإنني ... أرى أمره يومًا ستبدو معالمه ...
بأمر يود النصر فيه بإلبها ... لو أن جميع الناس يومًا تسالمه
ولما أسلم سراقة بن مالك رضي الله عنه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقف يتعلم منه، فسأله قائلًا: يا رسول الله! الضالّة تغشى حِياضي التي ملأتها لإبلي لتشرب منها، فهل لي من أجر إن سقيتها؟.
فقال صلى الله عليه وسلم:"نعم. لك في كل كبد حرّى أجر". [دلائل النبوة للبيهقي بتحقيق القلعجي: 2/ 483 - 489] .
وعاش سراقة بن مالك رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحابيًا صادقًا ملتزمًا، يسوق إليه صدقته، ويقدم إليه زكاته، ويتعلم منه العلم. ولما قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاش مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه خلافته، ثم عاش مع عمر صدرًا من خلافته، وهو متذكر وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يلبس سوارَيْ كسرى!.
سوارا كسرى في يدي سراقة بن مالك:
وبدأت حركة الجهاد في العراق والشام ومصر، وتوجه المسلمون لفتح عاصمة كسرى (المدائن) .
وفي السنة السادسة عشرة من الهجرة دخل القائد المجاهد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه منصورًا، وفر كسرى من قصره الأبيض، ودخله المسلمون، وجمعوا ما فيه من الكنوز والأموال والذخائر والنفائس، ومن ذلك سوارا كسرى وبساطه وسلاحه، وبعثوا بها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.