ثانيًا- وعد الرسول صلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك رضي الله عنه:
هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه من مكة إلى المدينة، وهو طريد، مطلوب القبض عليه، وقد وجّهت قريش عيونها في كل مكان، تبحث عنه لتقتله، ووعدت بتقديم مئتي ناقة جائزة لمن يأتيها به، وهي جائزة ثمينة جدًا في ذلك الوقت.
ومع ذلك لم يفارقه صلى الله عليه وسلم يقينه بأن الله معه، وأنه سينصر دينه، ويظهره على الدين كله.
وقد وقعت له أثناء الهجرة حادثة عجيبة مع سراقة بن مالك، قدم له فيها وعدًا، وتحقق ذلك الوعد فيما بعد.
سراقة بن مالك يروي الحادثة:
وقد روى المحدّثون والمؤرخون تلك الحادثة بإجمال وتفصيل عن سراقة نفسه، حدث فيها عن وعد الرسول صلى الله عليه وسلم له.
ذكر الإمام البيهقي في كتابه (دلائل النبوة) قصة وعد الرسول صلى الله عليه وسلم لسراقة.
قال سراقة بن مالك رضي الله عنه: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاءنا رسل من كفار قريش، وأخبرونا أنهم وضعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه مئتي ناقة.
وبينما أنا جالس في نادي قومي (بني مُدْلِج) إذ جاء رجل منا، فقال: يا سراقة! إني رأيت ركبًا ثلاثة، يسيرون على طريق الساحل، ما أراهم إلا محمدًا وأصحابه!!.
فقلت له: إنهم ليسوا هم. وإنما رأيت فلانًا وفلانًا. وذلك لأصرفه عنهم، وأفوز أنا بالجائزة!.
فمكثت قليلًا، ولما خرج مَن في المجلس قلت لجاريتي: اخرُجي بفرسي، واحبسيها علي وراء الأكمة، لئلا يراها أحد من قومي .. ثم أخذت رمحي، وخرجت من ظهر البيت، وحرصت على أن لا يراني أحد .. حتى أتيت فرسي فركبتها ولحقت بالركب .. وأخرجت قداحي التي أستقسم بها، فخرج السهم الذي أكرهه، والذي فيه: إنك لا تضره .. فعصيت الأزلام وتابعت السير.
ولما كنت قريبًا منهم سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر التلفُّت ..
ولما اقتربت منهم ساخت يدا فرسي، وغاصتا في الرمال، فوثبت عنها حتى لا أُوذى، ثم زجرتها فنهضت، ولم تكد تخرج يديها، ولما استوت قائمة إذا لأثر يديها دخان صاعد في السماء .. فاستقسمت بالأزلام، فخرج السهم الذي أكره: إنك لا تضرهم، فلم أستجب للأزلام!.
فلما اقتربت منهم، ساخت يدا فرسي، وغاصتا في الرمال مرة ثانية .. فعلمت أنه ممنوع مني، وأنني لن أصِلَ إليه، وأنه ظاهر منصور.
فناديتهما بالأمان، فوقفا لي: وقلت: انتظرا، والله لا أوذيكما، ولا يأتيكما مني شيئًا تكرهانه!.
وقلت للرسول صلى الله عليه وسلم: إن قومك قد جعلوا فيكما الدية! وأخبرته بأخبار الناس!.
وعرضت عليهما الزاد والمتاع، فلم يأخذا مني شيئًا، وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أخْفِ عنا". ثم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب لي كتاب موادعة وأمان آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب الكتاب ..
ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذراعي، وقال لي:"كأني بك وقد أُلْبِسْتَ سواري كسرى".
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وعدت أنا إلى قومي، وكلما أرى أُناسًا يبحثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصرفُهم عن السير في ذلك الطريق، وأقول لهم: لقد كفيتموه، فأنا قادم منه!!.
وعد الرسول لسراقة بسواري كسرى:
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واثقًا من نصر الله، موقنًا أن المستقبل لدينه، وأنه سينتصر وينتشر في الأرض، ولم يفارقه هذا اليقين لحظة من حياته، حتى وهو مطارَد في الأرض.
فها هو مطلوب القبض عليه، وقريش تبعث عيونها في كل مكان، وتضع الإبل الكثيرة جائزة لمن يأتيها به، أو يخبر عنه.