المؤمنون والزلزال الكبير:
بدأت الآيات بتذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم، عندما خلّصهم من جنود الكفار، حيث أرسل عليهم ريحًا وجنودًا من الملائكة، وجعلهم يُؤْثرون الانسحاب للنجاة بأنفسهم.
جاء فريق من الكفار من فوق المسلمين، وهم المشركون من قريش وغطفان، بينما جاء فريق آخر منهم من أسفل، وهم يهود بني قريظة، بعدما نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك أطبق الكفار على المسلمين من جميع الجوانب.
وتأثر المسلمون بالأحداث، وشعروا بالخطر، وخافوا خوفًا شديدًا، يكفي لمعرفة خطورته تدبّر قوله تعالى: (وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) .
زاغت أبصار فريق من المؤمنين من الخوف، وبلغت قلوبهم حناجرهم من شدة الرعب والقلق، وظنوا بالله ظنونًا عديدة، ووقع الزلزال الكبير، الذي هز نفوسهم ومشاعرهم وأعصابهم هزًا عنيفًا، وابتلاهم الله ابتلاء قويًا!.
ولم يستمر الخوف والفزع والرعب والقلق عند المجاهدين إلا فترة قصيرة، تجاوزوها بسرعة، وتغلبوا عليها بفاعلية، إذ سرعان ما عاد إليهم يقينهم وهدوؤهم واطمئنانهم، وقويت عزائمهم وهممهم، فثبتوا وجاهدوا، ووثقوا بوعد الله، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنّ عليهم بالنصر.
الشاكون في وعد الله فريقان:
ذكر الله تثبيط المنافقين للمؤمنين، وشكهم في وعد الله، فقال تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) .
الذين شكوا في وعد الله فريقان:
الفريق الأول: المنافقون: وهم الذين يُخفون في قلوبهم الكفر، ويظهرون أمام المسلمين الإيمان والإسلام، وهؤلاء كفار في الحقيقة.
الفريق الثاني: الذين في قلوبهم مرض، وهم مسلمون ليسوا منافقين، لكنهم ضعفاء الإيمان، ومرض قلوبهم هو الشك والضعف، وسقوط الهمة والعزيمة.
وهؤلاء تأثروا بإشاعات ودعايات المنافقين، وصاروا يرددونها معهم، بهدف إضعاف المسلمين المجاهدين.
أعلن الفريقان -المنافقون ومرضى القلوب- الشك في وعد الله، وقالوا: (مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) .
أي: أنتم أيها المسلمون، تزعمون أن الله وعدكم النصر على أعدائكم، ونجاتكم من الخطر، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشّركم بقرب تحققه ووقوعه على أرض الواقع! لا تحلموا بذلك، فإنه لن يتحقق على أرض الواقع، ووعد الله ورسوله لكم ما هو إلا غرور وخداع، وأوهام وأمان خيالية!.
وهذا الكلام الخطير من المنافقين ومرضى القلوب، شكٌّ في تحقق وعد الله، وتكذيب بوقوعه، وتشكيك المؤمنين به .. ووعد الله بالنسبة لهم ليس حقًا، وليس صدقًا! وهذا تكذيب صريح منهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
بشارات الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء حفر الخندق:
ذكرت روايات السيرة تبشير الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالنصر والتمكين، وظهور الإسلام في العالم، وذلك أثناء حفر الخندق، قُبيل حصار المشركين للمدينة.