الصفحة 15 من 152

روى أحمد في المسند [4/ 303] ، والنسائي [6/ 43 - 44] عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة، لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءنا فأخذ المعول، فقال:"بسم الله"، فضرب ضربة، فكسر ثلثها، وقال:"الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة!". ثم ضرب الثانية، فقطع الثلث الآخر، فقال:"الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض! ..". ثم ضرب الثالثة، وقال:"بسم الله"، فقطع بقية الحجر، فقال:"الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة! ..".

وروى ابن إسحاق هذه الحادثة بلفظ آخر، قال:"قال سلمان الفارسي: ضربْتُ في ناحية من الخندق، فغلظت عليّ صخرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني، فلما رآني أضرب، ورأى شدة المكان علي، نزل، فأخذ المعول من يدي .. فضرب به ضربة، فلمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة، فلمعت تحته برقة أخرى."

فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. ما هذا الذي رأيت، لمع تحت المعول وأنت تضرب؟.

قال:"أوقد رأيت ذلك يا سلمان؟".

قلت: نعم!.

قال:"أما الأولى، فإن الله فتح علي بها اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق!".

قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتّهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول، حين فُتِحَت هذه الأمصار، زمن عمر وعثمان: افتحوا ما بدا لكم، فوالذي نفس أبي هريرة بيده، ما افتتحتم من مدينة، ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة، إلا وقد أعطى الله سبحانه محمدًا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك!" [سيرة ابن هشام: 3/ 199 - 200] ."

الرسول صلى الله عليه وسلم يرفع معنويات أصحابه:

الرسول صلى الله عليه وسلم حريص على رفع معنويات أصحابه، وتقديم البشرى والأمل لهم، ليزدادوا جهادًا وعملًا وثباتًا، وتصديقًا بوعد الله.

فها هو يضرب الصخرة في الخندق ثلاث ضربات، وبعد كل ضربة يقدم للمسلمين بشرى بالنصر في المستقبل. بشّرهم بعد الضربة الأولى بفتح قصور الشام، وبشّرهم بعد الضربة الثانية بفتح قصور فارس، وبشّرهم في الضربة الثالثة بفتح قصور اليمن!.

واللطيف في البشرى، أنها جاءت والمسلمون في حالة حصار شديد، ووجودهم نفسه في خطر، وأحزاب الكفر تحيط بهم، لتقضي عليهم، وقد لا يخرجون من هذه المحنة سالمين، وفق التوقعات البشرية!.

في هذا الجو المكروب، لا يبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجاوز المحنة والنجاة من الخطر فقط، وإنما يبشرهم بفتح بلاد الشام والعراق واليمن، ودخول أهلها في الإسلام!.

وهو لا يقول هذا من عنده، إنما بتوجيه من الله، الذي أوحى له بذلك، وملأ قلبه يقينًا بتحققه، وطلب منه تبشير المؤمنين بذلك، ليقتدوا به في هذا الأمل!.

موقف المنافقين والمؤمنين من وعد الرسول صلى الله عليه وسلم:

لما سمع المنافقون والذين في قلوبهم مرض ذلك، كذبوا به، وشكوا في وقوعه، وشككوا المسلمين بذلك، وقالوا: (مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) .

وأورد ابن إسحاق ما قاله أحدهم، فقال:"... وعظُمَ عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال (معتب بن قُشَيْر) : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!! ..." [سيرة ابن هشام: 3/ 202] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت