الصفحة 112 من 152

وها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله .. ونسأل الله الإيمان به وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا" [تفسير ابن كثير: 4/ 304 - 305] ."

استمرار تحقق الوعد القرآني:

لقد ووجه المسلمون بهجمات شرسة من قبل الأعداء، منذ عهد الصحابة حتى وفاة الحافظ ابن كثير في نهاية القرن الثامن [توفي سنة 774هـ] ، من الفرس والروم، ثم من الصليبيين، وبعد ذلك من المغول .. وتغلبوا على الأعداء، واجتازوا تلك الأخطار بإذن الله، ولم يُحقق الأعداء أهدافهم منهم، وحقق الله لهم ما وعدهم سبحانه.

ومضت ستة قرون، منذ قول ابن كثير كلامه السابق، وُوجهَ فيها المسلمون بهجمات شرسة، لكن الأعداء لم يُحققوا أهدافهم.

ويواجه المسلمون في هذه الأيام عدوانًا همجيًا، يقوده اليهود والأمريكان، ويستهدفون دين المسلمين وأوطانهم، وثرواتهم وأموالهم، وأخلاقهم وأعراضهم .. وقد حقق الأعداء بعض المكاسب والنتائج، واحتلوا بعض الأقطار والبلدان، فاحتل اليهود فلسطين، واحتلت أمريكا أفغانستان والعراق، واحتل الروس الشيشان، واحتل الهنود كشمير.

ولكن هؤلاء الأعداء لم ينجحوا في القضاء على الإسلام، رغم عنف حربهم له، كما أنهم لم ينجحوا في القضاء على دعاة الإسلام ورجاله وجنوده، رغم عنف مواجهتهم لهم.

إننا نعيش في هذا الزمان صورًا ونماذج من تحقق الوعد القرآني، في هذه الآيات. وسيعيش المسلمون القادمون صورًا ونماذج أخرى، وسيبقى الوعد القرآني الصادق قائمًا، حتى قيام الساعة، لأن الله لا يخلف الميعاد!.

ولنلق نظرة على حقائق ومعاني هذه الآيات:

الوعد لمن آمنوا وعملوا الصالحات:

قوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) : الوعد صادر من عند الله للمؤمنين، وبما أنه وعد من الله، فهو حق وصدق، لأن الله منجز وعده، ولا بد أن ننظر إلى وعود الله بهذا المنظار الإيماني.

ووعد الله موجّه للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذا تخصيص للموعودين، فالموعودون ليسوا المسلمين على العموم، لأن هناك مسلمون لا يلتزمون بالإسلام التزامًا صادقًا، وبعضهم ليس لهم من الإسلام إلا اسمه، وهؤلاء ليسوا موعودين بهذا الوعد!.

الموعودون هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات: فالإيمان تصديق وثقة، ويقين وطمأنينة، والعمل الصالح ثمرة ونتيجة للإيمان، لأن الإيمان إذا استقر في القلب، فإنه يسارع إلى إثبات نفسه في الخارج، في صورة عمل صالح، أي أن هذا الإيمان يؤثر في المؤمن، وينظم له حياته، ويوجه له تصرفاته وأعماله، ويطالبه أن يكون كل ما يصدر عنه من أقوال وأعمال، متوافقًا مع توجيهات الإيمان وحقائقه!.

والعمل الصالح هو العمل الطيب، المتوافق مع شرع الله، والملتزم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يتوجه به المؤمن إلى الله، مخلصًا له.

و (الصَّالِحَاتِ) جمع مؤنث، وهذا الجمع يدل على كثرة أصناف وأنواع ومظاهر هذه الأعمال وتنوعها .. بحيث تشمل كل نشاط يصدر عن المسلم الصالح، وكل مجال صالح في حياة المسلمين!.

الوعود باستخلاف المؤمنين في الأرض:

قوله تعالى: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) :

وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثلاثة أشياء: أن يستخلفهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم، وأن يبدلهم بعد الخوف أمنًا.

تخبر هذه الجملة من الآية عن الوعد الأول، فالله سيستخلف المؤمنين الصالحين في الأرض، كما استخلف المؤمنين الذين من قبلهم.

وقد أكد فعل (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم) بمؤكدين: لام القسم، ونون التوكيد الثقيلة، وذلك لتأكيد هذه الحقيقة وتقريرها، ليزداد يقين المؤمنين بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت