وقد شاء الله أن يستخلف الإنسان في الأرض، وأن يجعل الأجيال خلائف. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) [الأنعام: 165] .
والاستخلاف في الأرض إنما هو لعباد الله الصالحين، لأن الاستخلاف قائم على تعمير الأرض وإصلاحها، ونشر الخير فيها، وإحسان استخراج كنوزها وبركاتها، وهذا لن يتحقق إلا بالإيمان والعمل الصالح، والسير في الأرض على أساس شرع الله ومنهاجه.
وقد استخلف الله المؤمنين السابقين، أتباع الأنبياء والرسل، ولذلك بشّر موسى عليه السلام بني إسرائيل بالاستخلاف. قال تعالى: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 129] .
ووعد الله المسلمين أن يستخلفهم في الأرض، كما استخلف المؤمنين الذين من قبلهم فيها. فأتباع النبي نوح عليه السلام كانوا خلفاء، وأتباع النبي هود عليه السلام كانوا خلفاء، ومؤمنو بني إسرائيل كانوا خلفاء، والمؤمنون أتباع عيسى عليه السلام كانوا خلفاء، وختمت الخلافة بهذه الأمة المهتدية، الشاهدة على الأمم، وستبقى الخلافة بهذه الأمة حتى قيام الساعة، لأن الله خصها بالمنهج الصحيح.
والخلفاء متتابعون في هذه الأمة، على طول تاريخها، منذ الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم إلى أيامنا، وأصبحت أفضل بقاع الأرض بلادًا لهذه الأمة من الفلبين وأندونيسية في أقصى المشرق، إلى المحيط الأطلسي في أقصى المغرب، ومن أواسط روسية في الشمال إلى أواسط إفريقية في الجنوب .. وأصبحت هذه البلاد أرضًا إسلامية، استقر بها الإسلام، وأشرق منها نور الإيمان.
وستبقى هذه البلاد أرضًا إسلامية حتى قيام الساعة، لأن الله الحكيم وعد بذلك، ووعده حق وصدق.
الوعد بالتمكين للدين:
قوله تعالى: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) .
هذا هو الوعد الثاني للمؤمنين الصالحين، وهو مبني على الوعد الأول باستخلافهم في الأرض. وقد أُكِّد هذا الوعد أيضًا بالمؤكدين السابقين: لام القسم، ونون التوكيد الثقيلة.
الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لهذه الأمة. قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3] .
والتمكين للإسلام بإظهاره واستقراره، ونشر أنواره، وقد ثبّت الله الإسلام في الأرض، وعجز الكافرون عن القضاء عليه، رغم استمرار محاولاتهم، واختلاف وتنوع أسلحتهم، عجز العرب المشركون عن ذلك قبل الهجرة، وعجز اليهود والمنافقون عن ذلك بعد الهجرة، وعجز الفرس والروم عن ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، وعجز الصليبيون والتتار والهندوس من بعدهم، وسيعجز التحالف الصليبي اليهودي المعاصر عن ذلك، وسيعجز الكفار القادمون في القرون القادمة عن ذلك، وسيبقى جميع الكفار عاجزين حتى قيام الساعة.
مكّن الله الإسلام في الأرض، وصار كالشجرة الطيبة القوية الثابتة، أصلها ثابت وفرعها في السماء. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) [إبراهيم: 24 - 25] .
الوعد بالأمن بعد الخوف:
قوله تعالى: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) :
هذا هو وعد الله الثالث لعباده المؤمنين، بأن يزيل عنهم حالة الخوف التي كانوا يعيشونها، وأن يحل محلها الأمن.