في سورة النور وعد صادق، وهو من أشهر الوعود القاطعة في القرآن.
قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَاوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [النور: 55 - 57] .
كلام ابن كثير عن تحقق الوعد:
وخير من تكلم على الوعد القرآني في هذه الآيات، وتحققه في واقع المسلمين، الإمام الحافظ ابن كثير. قال رحمه الله:"هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس والولاة عليهم، بهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا فيهم."
وقد فعله تعالى، وله الحمد والمنة، فإن لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هُجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر وإسكندرية المقوقس، وملوك عُمان، والنجاشي ملك الحبشة، الذي تملك بعد أصْحَمَة، رحمه الله وأكرمه.
ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلمّ شعْثَ ما وهى بعد موته صلى الله عليه وسلم، وأخذ جزيرة العرب ومهدها .. وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس، صحبة خالد بن الوليد رضي الله عنه، ففتحوا طرفًا منها، وقتلوا خلقًا من أهلها .. وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة رضي الله عنه، ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام .. وثالثًا صحبة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى مصر .. ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بُصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله عز وجل، واختار له ما عنده من الكرامة.
ومنّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قيامًا تامًا، لم يَدُر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله. وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر الله كسرى، وأهانه غاية الهوان، وقصّر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام، وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة.
ثم لما كانت الدولة العثمانية؛ امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب، إلى أقصى ما هنالك، الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سَبْتَة، مما يلي البحر المحيط .. ومن ناحية الشرق إلى أقصى بلاد الصين، وفتل كسرى، وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدًا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان. وجُنيَ الخراجُ من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وذلك ببركة تلاوته ودراسته، وجمعه الأمة على حفظ القرآن.
ولهذا ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها".