فقد كان قادة قريش، كأبي جهل وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، يتدارسون تجهيز الجيش، والخروج لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم كانوا يخافون مهاجمة قبائل عربية معادية لمكة أثناء غيابهم، فأتاهم الشيطان، وزين لهم الخروج، وأراهم أنهم على صواب، وطمأنهم أنه معهم، وأنه (جار لهم) سيحيد القبائل المعادية، ووعدهم النصر والفوز!.
واستجابوا لتزيينه، وطمعوا في وعوده، وخرجوا بقيادة أبي جهل إلى بدر.
ونشبت معركة بدر، وفوجئ المشركون بقوة المسلمين، وهجومهم عليهم، وتذكروا وعود الشيطان بالنصر والتأييد، وهو معهم في ميدان المعركة، ولكنه نكث العهود، وتخلى عن الوعود، ونكص على عقبيه، وولى هاربًا، وأسلم أتباعه إلى أسلحة المسلمين.
وقال لهم: (إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ) !.
أعلن براءته منهم، وعلل ذلك بأنه يرى ما لا يرون، والراجح أن الذي رآه هم الملائكة، الذين أنزلهم الله مددًا للصحابة في المعركة.
وكذَب عليهم في زعمه الخوف من الله: (إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ) وهل يخاف الشيطان الله رب العالمين؟!.
رابعًا -قال تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ) [الحشر: 16 - 17] .
تذكر الآية إغواء الشيطان لأحد أتباعه، عندما طلب منه أن يكفر بالله، وقدم له وعوده وأمانيه، بحصوله على الخير كله، وأنه سيبقى معه مدافعًا عنه .. ولما استجاب التعيس له، وصدّقه في وعوده، وأعلن كفره بالله، تخلى عنه الشيطان وغرّه وخدعه، وقال له: إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين!.
خامسًا -قال تعالى: (بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا) [فاطر: 40] .
إذا كان الشيطان كاذبًا في وعوده الخادعة، فإن أتباعه من الظالمين يقتدون به في هذا الكذب والخداع، وما يعد بعضهم بعضًا من الوعود ما هي إلا غرور وخداع، لا يلتزمون بها، ولا يُنفذونها.
الشيطان يتخلى عن أتباعه في الآخرة:
يوم القيامة يتخلى الشيطان عن أتباعه، ويفرق الجميع بين وعود الله الحقة، التي حققها سبحانه لعباده الصالحين، وصدقهم إياها، وبين وعود إبليس الخادعة، التي كذب على جنوده بها.
قال تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم: 22] .
هذه خطبة إبليس، يلقيها على أتباعه في نار جهنم، بعد أن يستقرّوا فيها، ويعترف لهم بأنه غرهم وخدعهم، ثم يؤنبهم ويوبخهم: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم) . ويذكر لهم أنه عاجز عن إنقاذهم، كما أنهم عاجزون عن إنقاذه: (مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) .
ويتخلى عنهم، ويعلن براءته منهم: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ) .
والشاهد في الآية مقارنة إبليس بين وعد الله الحق ووعده الباطل: (إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) .