وربما كانت حكمة ذلك التيه ان القوم المستضعفين، الذين تربوا على المذلة للفرعون ، لم يكونوا صالحين لحمل الأمانة المنوطة بهم على الوجه الذي يؤهلهم لتحقيق الرسالة الربانية ، وتحقيق منهج الله في الأرض ، فابتلاهم الله بذلك التيه في تلك الفترة المحددة، التي انتهى فيها ذلك الجيل المستضعف المستذل ، وولد بعده جيل جديد . . ولد في التيه . . في المشقة . . في المعاناة ، فكان أصلب عودًا وأقدر على تحمل المشاق . . فأذن الله له أن يدخل الأرض المقدسة ، ومكّن له في الأرض .
و الأمة الإسلامية اليوم تعيش في التيه . و لكنه تيه معنوي لا كذلك التيه الحسّي الذي عاشت فيه بنو إسرائيل . تيه في الأفكار والمشاعر والتصورات وأنماط السلوك .
وكان هذا ابتلاء لها من الله حين تقاعست عن حمل الرسالة التي حمّلها الله إياها ، وجعل لها فيها خيريتها ، وحدد لها فيها مهمتها:
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (1) .
وقد بدأ ذلك التيه منذ أكثر من قرن ، حين نحّت هذه الأمة شريعتها ، واستبدلت بها الشرائع التي أخبرها ربها أنها شرائع جاهلية لأنها لا تحكم بما أنزل الله ؛ واستبدلت بقيمتها وأخلاقها وأنماط سلوكها قيم الغرب وأخلاقه وأنماط سلوكه ؛ وأدارت ظهرها لكتاب ربها وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لتستورد الأفكار والنظم و"الأيدلوجيات"والمبادئ من المكان الذي توهمت فيه الرقي والتقدم والحضارة الحقيقية .
وكانت الفتنة بالغرب - بعد الانبهار الذي أصاب الأمة على أثر الهزيمة العسكرية أمامه - هي بداية التيه الذي ابتليت به الأمة في محنتها .
(1) سورة البقرة: 143