والإيمان المختل بعقيدة القضاء والقدر ، الذي يسقط مسئولية الإنسان عن أعماله حين يخطئ أو يقصر بدعوى أن ما يصيبه هو قضاء وقدر لاحيلة له فيه ، ويدعو إلى الاستسلام السلبي لكل ما يقع ، وعدم السعي إلى تغييره بدعوى أن العمل على التغيير هو بمثابة التمرد على قدر الله وعدم الرضا بقضائه ، ويدعو إلى عدم الأخذ بالأسباب بدعوى أن هذا نقص في الإيمان ، ودليل على عدم التوكل على الله .. كل ذلك كان انحرافا متعلقا بالعقيدة، ومجافيا لمنهج السلف الصالح الذين كانوا أصفى الناس إيمانا بالقضاء والقدر ، ولكنهم كانوا يعلمون من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن الإيمان بالقضاء والقدر لايسقط مسئولية الإنسان عن عمله حين يخطئ أو يقصر ، ولا يمنع السعي إلى التغيير تطلعا إلى قدر جديد من عند الله ، وان التوكل الصحيح لا يمنع الأخذ بالأسباب ، وأن حتمية تحقق قدر الله ومشيئته لا تتنافى كذلك مع اتخاذ الأسباب .
ففي وقعة أحد قال الله للمسلمين إن ما أصابهم من الهزيمة هو من عند أنفسهم لمخالفتهم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو في الوقت ذاته قضاء وقدر:
( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ..) (1) .
وحين وقعت الهزيمة لم يقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السعي إلى تغيير الموقف ، فأخذ المسلمين - بجراحاتهم - للقاء العدو ، فانصرف العدو بفضل الله وآثر الانسحاب دون قتال:
(1) سورة آل عمران: 165- 166