نعم ! لقد نبذت أوربا دينها ، فلم تعد تتحرك به داخل بلادها .. ولكنها لم تنس قط الروح الصليبية الكامنة في دمائها ، والتي تحركها دائما ضد الإسلام و المسلمين ! وهذه الحقيقة - حقيقة نبذ أوربا لدينها ، وبقاء الحقد الصليبي تجاه الإسلام مشتعلا رغم ذلك - قد أشار إليها المستشرق النمساوي"محمد أسد"في كتابه الشهير"الإسلام على مفترق الطرق"الذي ألفه بعد أن أعلن إسلامه ، وحاول فيه تفسير هذه الظاهرة الغريبة التي قال إنه لم يحدث مثلها في التاريخ ، فقال: إن هذا الحقد قد ولد في نفوس الأوروبيين في فترة طفولتهم الفكرية والحضارية ، فلم تستطع فترة النضج التالية أن تمحوه من نفوسهم ، لأن ما ينطبع في الطفولة يتبقى عالقا في النفس !! (1)
ولسنا نحن في حاجة إلى شهادة محمد أسد ولا تفسيره ، وعندنا شهادة الله سبحانه وتعالى وتقريره:
( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) (2)
وعندنا مذبحة البوسنة والهرسك شهادة لا تحتمل التأويل . فالمندوب البريطاني"أوين"الذي ليست له أي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة البوسنة والهرسك يتكلم حين يتكلم كأنما بلسان الصرب ، بل يطلب للصرب أحيانا أكثر مما يطلبون هم لأنفسهم ، بل طالب في أكثر من مرة بمعاقبة المسلمين لأنهم لم يتقبلوا اغتيال الصرب الوحشي لهم في صمت ولا هتكهم لأعراضهم ، بل كانوا يدافعون عن أنفسهم بين الحين و الحين !!
والأمر الثاني الذي يجب على المؤرخ المسلم إبرازه بينما المؤرخ الأوربي لا يذكره على الإطلاق ، هو أن السبب الحقيقي وراء كل ألوان التخلف التي أحاطت بالمسلمين في الفترة الأخيرة كان هو التخلف العقدي .. التخلف عن حقيقة لا إله إلا الله .
(1) انظر كتاب"الإسلام على مفترق الطرق"ترجمة عمر فروخ ص 58-59.
(2) سورة البقرة: 120