أما ما شنشن به الكاتب من أن في الموطأ بابًا بعنوان الخصومة في الدين ... إلخ، فلا حجة له فيه؛ فإن مالكًا - رحمه الله - ذكر في هذا الباب حديث ابن عمر مرفوعًا: (أيما امريء قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما) (23) ثم قال: (( قال محمد - أي ابن الحسن الشيباني: لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يشهد على رجل من أهل الإسلام بذنب أذنبه بكفر وإن عظم جرمه، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا ) ) (24) .
فالكلام كله لا علاقة له بالمحاكمة على العقيدة والآراء الفاسدة، إنما ينصب الكلام على قضية التكفير بالذنوب والكبائر التي كان يقول بها الخوارج، فكان أهل السنة يذكرون مثل هذا الحديث ردًا عليهم.
ولا شك في ثبوت الوعيد الشديد لمن كفّر مسلمًا بغير حق، لكن حين يكون التكفير بحق كأن يُكذِّب شخص بشيء من كتاب الله سبحانه وتعالى أو ينكر معلومًا من الدين بالضرورة فإنه لا لوم حينئذٍ على من كفّره، وهذا هو الواجب الشرعي، فإن من ارتكب مثل هذا الذي قلناه فإنه يكفر وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، وهذا واضح مما نقلناه من قول مالك في القدرية.
وأما أبو حنيفة فقد قال أبو يوسف: (( ناقشت أبا حنيفة زمنًا حتى استقر رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر ) ) (25) .
وقال الشافعي في الأم: (( ... وسواء كان مولودًا على الإسلام ثم ارتد بعد عن الإسلام أو كان مشركًا فأسلم ثم ارتد بعد عن الإسلام، وسواء ارتد إلى يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو جحد وتعطيل ودين لا يظهره ... ومتى أقام على الكفر في أي هذه الأحوال كان وإلى أي هذه الأديان صار استتيب فإن أظهر التوبة حُكم له حكم الإسلام، وإن امتنع منها وأقام على الكفر قُتل مكانه ساعة يأبى إظهار الإسلام ) ) (26) .
فالواضح من كلام الشافعي أن الردة قد تكون بجحد شيء من شرع الله عز وجل أو تعطيل شيء منه، وفاعل ذلك لم يقل إنه ترك الإسلام إلى غيره من الأديان، وقد وضع الشافعي هذا الجاحد المعطِل بين من يخرج إلى دين من الأديان الباطلة المعروفة، وبين من يخرج إلى دين لا يظهره وهو المنافق، وكلهم في حكم الردة سواء وكلهم يُقتلون إذا لم يتوبوا.
فالشافعي إذًا لم ينسف الأساس التشريعي للحسبة كما زعم الكاتب، وحاشاه - رحمه الله - أن ينسف شيئًا قد استقر بكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، وكل ما يعنيه الشافعي بعبارته التي نقلها الكاتب أننا لا نفتش عن القلوب؛ فمن كان أصله الإسلام ولم يظهر منه كفر لا يجوز أن نحكم عليه بخلاف الإسلام، أما من ظهر منه كفر فإنه يؤخذ به، وظهور الكفر - كما أسلفنا - يكون بقول أو فعل ليس له معنى إلا الردة.
وثانيًا: فإن الكاتب يخلط بين فصل القضاء الذي يكون يوم القيامة، وبين بيان الحق من الباطل في هذه الحياة الدنيا، ويرى أنه يجب أن يترك كل إنسان وما يعتقد حتى يفصل الله بين العباد يوم القيامة، وهذا باطل فإن الفصل الذي يكون يوم القيامة هو أن يقضي الله بين العباد فيجازي كلًا بما يستحقه من جنة أو نار، أما الفصل بمعنى بيان الحق من الباطل فقد جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بل ما أرسل الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم إلا لبيان الحق من الباطل، وبيان أن الحق الذي لا يقبل الله سواه هو الإسلام، كما قال تعالى: {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} (الأنعام:55) ، وقال: {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران: 85) ، إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن القرآن جاء فرقانًا بين الحق والباطل.