الصفحة 53 من 79

سادسًا: مشروعية محاكمة الفكر الضال

إن النقطة التي يدندن حولها الكاتب وأشباهه هي حرية الفكر وأنه لا يُمنع أحد من إبداء رأيه وإن خالفه الآخرون، ولا شك أن هذا قول باطل؛ فإن حرية الفكر مقيدة بأن لا تخرج عن إطار الدين الذي شرعه الله لنا.

والكاتب الذي نحن بصدد الرد عليه يزعم أنه يتكلم بالنصوص وأقوال الأئمة، فيحاول تأصيل تلك الدعاوى الزائفة فيقول مثلًا: (( وفي الموطأ ما يؤكد رفض الحسبة عند الإمامين أبي حنيفة ومالك، ونقرأ في الموطأ صفحة 325 تحت عنوان: الخصومة في الدين والرجل يشهد على الرجل بالكفر أنه لا ينبغي الخصومة على رجل من أهل الإسلام بالكفر مهما عظم جرمه؛ أي ينفي محاكمة أي مسلم بسبب عقيدته وآرائه ) )، ويقول عن الشافعي: (( ومع ذلك فإن الشافعي ينسف الأساس التشريعي للحسبة حين يقول: ليس لأحد أن يحكم على أحد بخلاف ما أظهر من نفسه، وأن الله سبحانه وتعالى إنما جعل للعباد الحكم على ما ظهر لأن أحدًا منهم لا يعلم ما غاب ) ).

ويقول: (( وكل إنسان يرى نفسه على الحق في اعتقاده، ولذلك فإن الله عز وجل جعل يوم الدين هو يوم الفصل بين العباد في أمور العقائد والاختلافات الدينية قال تعالى: {قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون} (الزمر: 46) ... )).

وأقول: إن هذا الكاتب ذو قدرة عجيبة على تزييف الحقائق والاستشهاد بالنصوص في غير موضعها.

فإن الظاهر من كلامه أنه يعترف بشيء اسمه الردة، لكنه لا يرى عقوبة عليها، والأخطر من ذلك أنه لا يعتبر الردة إلا من رجل أعلن ردته وخروجه من الإسلام.

والحق أن مفهوم الردة أوسع من ذلك؛ فمن قال: إني مسلم، ومع ذلك كذَّب بشيء من كتاب الله عز وجل فهو كافر وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو كتابه أو رسوله فهو كافر وإن زعم الإسلام؛ وذلك أن الله يقول في شأن النفر الذين استهزؤوا بالرسول صلى الله عليه وسلم: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} (التوبة: 65) 66)

فانظر كيف حكم القرآن بردتهم مع أنهم لم يقولوا إنهم يريدون الخروج من الإسلام إلى الكفر بل جاؤوا يعتذرون.

وكلام الأئمة الذين يقول الكاتب إنه يستند إليهم لا يخرج عن هذا الذي قلناه.

انظر مثلًا إلى قول مالك - رحمه الله - في الموطأ كتاب القدر باب القول في القدر حيث حدّث عن عمه أبي سهيل بن مالك أنه قال: (( كنت أسير مع عمر بن العزيز فقال: ما رأيك في هؤلاء القدرية؟ فقلت: رأيي أن تستتيبهم فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف. فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي. قال مالك: وذلك رأيي ) ) (22) .

والقدرية هم نفاة القدر الذين يقولون إن الله لا يقدر الشر ولا يريده، فهم يثبتون أن شيئًا يقع في ملك الله دون أن يريده الله، ومع ذلك فهؤلاء القدرية لم يقولوا إنهم كفار أو إنهم يريدون الخروج من الإسلام، بل على العكس هم ينافحون عن عقيدتهم الضالة هذه بآيات من القرآن يفهمونها على غير وجهها، ويزعمون أنهم أهل الحق، ومع ذلك قال فيهم مالك ومن قبله عمر بن عبد العزيز ما ترى.

ومثل هذا ما سبق نقله عن الإمام مالك من أن الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويسرون الكفر يقتلون بلا توبة، وقوله - رحمه الله: (( ولا يقبل منهم قولهم ) )، أي لا يقبل منهم ادعاؤهم التوبة لأنهم كما قال - رحمه الله: (( لا تعرف توبتهم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت