وقد أشار ابن رجب الحنبلي رحمه الله إلى هذه النقطة في جامع العلوم والحكم (31) وأورد في ذلك ما صح عن ابن عمر من أن رجلًا من أهل العراق سأله عن دم البعوض فقال: (انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وسلم) (32) .
قال ابن رجب: (( وكان الإمام أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها، واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته فقال: اكتب فهذا ورع مظلم ) ) (33) ، ثم بين ابن رجب أن الإمام أحمد مع أنه كان في نفسه يستعمل هذا الورع إلا أنه كان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام بل يتسامح في المكروهات الظاهرة (34) .
5)تتبع رخص العلماء:
من مظاهر الفهم الخطأ لقضية اليسر أنك تجد من يبحث في كل مسألة عن أخف الأقوال وأسهلها بدعوى التيسير على الناس، فتراه يقول برأي الإمام ابن حزم في إباحة الغناء، ورأي الحنفية في عدم اشتراط الولي في عقد الزواج، ورأي الإمام ابن تيمية في إيقاع الطلاق بلفظ الثلاث طلقة واحدة.
ولو أنه في هذه المسائل وغيرها وصل إلى ما وصل إليه بعد بحث ودراسة وافية للأدلة، لما كان لنا من اعتراض عليه إن كان من أهل العلم القادرين على الترجيح بين الأقوال، ولكن المشكلة أن هؤلاء ليس لهم من دليل إلا ما سقناه من قبل من الأدلة العامة القاضية بيسر الإسلام ورفعه للحرج.
واستدلالهم هذا في غير موضعه؛ لأن الحنيفية السمحة - كما يقول الشاطبي رحمه الله:
(( إنما أتى فيها السماح مقيدًا بما هو جارٍ على أصولها، وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها ... ثم نقول: تتبع الرخص ميل مع أهواء النفوس، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى، فهذا مضاد لذلك الأصل، المتفق عليه ومضاد أيضًا لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} (النساء: 59) ، وموضع الخلاف موضع تنازع فلا يصح أن يُرد إلى أهواء النفوس، وإنما يرد إلى الشريعة وهي تبين الراجح من القولين فيجب اتباعه لا الموافق للغرض )) (35) .
ومن أجل ذلك وجدنا علماءنا يذمون ذلك الصنيع، فقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل (36) ، وقال الأوزاعي: (( من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام ) ) (37) ، وقال سليمان التيمي: (( إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله ) ) (38)
وبذلك يُعلم أنه إذا كان ليس من مقصود الشريعة العنت والمشقة، فإنه ليس من مقصودها أيضًا اتباع الأسهل والأخف دائمًا؛ بل الواجب هو اتباع الدليل وأن ندور معه حيث دار.
(7) أخرجه البخاري (2697) ومسلم (1718) وأبو داود (4606) وابن ماجه (14) من حديث عائشة.
(8) أخرجه البخاري (2092) (5379) ومسلم (2041) وأبو داود (3782) والترمذي (1850) .
(9) فتح الباري (9/ 526) .
(10) فتح الباري (1/ 94) .
(11) أخرجه البخاري (1968) ، (6139) والترمذي (2413) .
(12) الموافقات (2/ 139) .
(13) أخرجه البخاري (1130) ومسلم (2819) والترمذي (412) والنسائي (3/ 219) وابن ماجه (1419) وأحمد (4/ 251) من حديث المغيرة بن شعبة، وأخرجه البخاري (4837) ومسلم (2820) وأحمد (6/ 115) والطبراني في الأوسط (2939) ، (7430) من حديث عائشة، وأخرجه ابن ماجه (1420) والطبراني في الأوسط (4199) من حديث أبي هريرة.
(14) الموافقات (2/ 141) .
(15) أخرجه البخاري (3560) ومسلم (2327) وأبو داود (4785) ومالك (2/ 902 - 903) (ك حسن الخلق: 2) .
(16) الموافقات (2/ 123) .
(17) أخرجه البخاري (9 52) ومسلم (892) والنسائي (3/ 195) وابن ماجه (1898) وأحمد (6/ 99) من حديث عائشة.
(18) أخرجه أبو داود (1134) والنسائي (3/ 179 - 180) وأحمد (3/ 103) ، وإسناده صحيح كما قال الحافظ في الفتح (2/ 442) .