وكيف يكون النظام المصرفي الربوي ضروريًا لحياة الناس وها هم اقتصاديو الغرب أنفسهم يعترفون بمضار هذا النظام، ومن هؤلاء الاقتصادي الألماني شاخت حيث يقول: (( إنه بعملية رياضية غير متناهية يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جدًا من المرابين؛ ذلك أن الدائن المرابي يربح دائمًا في كل عملية بينما المدين معرض للربح والخسارة، ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد بالحساب الرياضي أن يصير إلى الذي يربح دائمًا، وإن هذه النظرية في طريقها للتحقق الكامل؛ فإن معظم مال الأرض الآن يملكه ملكًا حقيقيًا بضعة ألوف، أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك، والعمال وغيرهم، فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال ) ) (26) .
بل إن كثيرًا من هؤلاء الاقتصاديين الغربيين يرون أن الفائدة تعوق النمو الاقتصادي، وأن التنمية لا تتحقق إلا إذا كان سعر الفائدة صفرًا أو ما يقرب من ذلك.
وبهذا يتضح أنه ليس هناك ضرورة للتعامل بالربا بالصورة التي فهمها من أراد تحليل الفوائد الربوية وأن يسر الإسلام وإباحته المحظورات عند الضرورات لا يبيح لهم أن يفتوا بمثل ذلك والله أعلم.
4)الإنكار على من أخذ بالأحوط ورميه بالتشدد:
وذلك أن هناك فريقًا من الناس يلزم نفسه جانب الورع والاحتياط، فكلما اشتبه عليه أمر أو وجد في مسألة رأيين أخذ بالأمر الأشد، فيأتي من يرميه بالتشدد والتزمت بدعوى أن الإسلام دين اليسر ورفع الحرج.
والحقيقة أن الأخذ بالأحوط والبعد عن الشبهات ليس من الأمور المذمومة، وكيف يذم فاعل ذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ... فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه) (27) ؟ وقال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (28) .
وقد اشتهر عن كثير من السلف الصالح التزامهم الورع والبعد عن الشبهات، ومن ذلك ما ورد من أنه (كان لأبي بكر غلام يُخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) (29) .
وأمر الإمام أحمد من يشتري له سمنًا فجاء به على ورقة فأمر برد الورقة إلى البائع (30) .
أمور ينبغي التفطن إليها:
غير أن هناك أمورًا مهمة ينبغي التفطن إليها في هذا الموضوع:
أول هذه الأمور أنه لا يصح أن يصل الورع بالعبد إلى تحريم ما أحل الله؛ فإن الإنسان قد يترك أمرًا اشتبه عليه حكمه، وقد يتركه خروجًا من خلاف العلماء، وقد يترك الأمر المباح خشية أن يجره إلى شيء من الحرام، وفي كل هذه الحالات ليس له أن يعتقد حرمة ما ترك؛ لأنه لو كان حرامًا لكان تركه لأجل حرمته لا ورعًا واحتياطًا.
وثاني هذه الأمور أنه ليس لمن أخذ بالأحوط أن يلزم الناس بذلك ولا أن ينكر على من لم يصنع صنيعه؛ لأنه لم يفعل ذلك استنادًا إلى دليل قطعي وإنما فعله - كما قلنا - احتياطًا، وليس لأحد أن يلزم أحدًا بشيء لم تلزمه به النصوص الشرعية.
وآخر هذه الأمور أنه قد يكون هناك وجه للإنكار على بعض من سلك طريق الورع والبعد عن الشبهات، وذلك في حالة ما إذا كان الشخص يرتكب المنكرات الظاهرة، ثم يأتي إلى بعض دقائق الشبهات فيتورع عنها؛ فإن ارتكابه للمحرمات الظاهرة يناقض ما أراد أن يثبته من كونه من أهل الورع والاحتياط.