"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .."
[صدق الله العظيم]
حب الحياة والاستمتاع بها، هو الدافع الأكبر في الكيان البشري. والمحرك الأكبر لما يصدر عنه من نشاط.
وهو يشمل -كما قلنا في مقدمة الفصل- دوافع جزئية أو فرعية، تظل تتفرع بدورها وتتشعب حتى تصل إلى دقائق صغيرة عميقة .. وكل منها يتصل في النهاية بالأعصاب النفسية التي سبق الحديث عنها، في تشابك معقد شديد التعقيد.
هذا الدافع الأكبر يشمل فرعين رئيسيين -فطريين- هما حفظ الذات وحفظ النوع.
ثم تتفرع عن كل منهما -أو عنهما معًا- فروع أخرى.
فالطعام والشراب والملبس والمسكن .. ورغبة الملك .. ورغبة البروز والتميز .. والقتال ذودًا عن النفس، كلها أمور تتصل اتصالا وثيقًا بالرغبة في حفظ الذات، والاستمتاع بحفظ الذات.
أما حفظ النوع فأداته الكبرى هي الطاقة الجنسية .. ولكن الفروع السابقة كلها تشتبك بهذه الطاقة، فيصبح كل منها مزودًا بشعبتين: شعبة تتصل بالذات، وشعبة تتصل بالجنس.
وهذان الدافعان معًا، بكل ما يتفرع عنهما من فروع وما يشتبك بهما من اشتباكات، واللذان هما في الأصل مظهران لحب الحياة والاستمتاع بها .. يؤديان مهمة ضخمة في حياة الإنسان.
لقد اقتضت حكمة الخالق أن يكون هذا المخلوق المندوب للخلافة عن الله في الأرض، مزودًا بطاقة هائلة تعينه على أداء دوره في الأرض ودوره في الحياة.
طاقة تدفعه للعمل ..
فالعمل في الأرض .. والإنشاء والتعمير .. والبناء والتغيير .. هي المهمة الكبرى لهذا المخلوق. وهي معنى الخلافة عن الله في الأرض ..
كان الإنسان قبضة من طين الأرض، لا إرادة لها ولا تَوَجّه ولا مهمة محدودة .. ثم نفخ الله فيها من روحه، ليعطيها من مظاهر قدرته -سبحانه- ما تقدر على حمله قبضة الطين، وما يكفي -في تقدير العزيز العليم- لمهمة الخلافة المنوطة بهذا الكائن الفريد.
ومن نفخة الروح صار"الإنسان"خليفة .. وصارت فيه القدرة على الإنشاء والإبداع والتغيير والتطوير .. التي هي قبس من إرادة"الخلق"في ذات الخالق المبدع المصور القدير .. بمقدار ما تطبق قبضة الطين.
وزود الله الإنسان بصفات ضرورية له في الخلافة عن الله:
زوده"بالعلم":"وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا .." [1] .
وزوده"بالإدراك":"قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ .." [2] .
وزوده"بالإرادة والاختيار":"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" [3] ."وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" [4] .
وهكذا أصبح الإنسان -بهذه الطاقات- مهيأ لدور الخلاقة في الأرض، كفئًا للقيام بأعبائها الجسام.
ولكن .. كان لا بد من وقود يشعل"الرغبة"في هذا الكيان ليتحرك!
إنه لا يتحرك بذاته ولا يعمل بذاته -كما تعمل الذات الإلهية التي نفخت فيه من روحها، بطريقة لا ندركها نحن البشر الفانين، ولكنا نعلم فقط أن الله يقول للشيء كن فيكون. وأنه مريد وفعال لما يريد، بلا واسطة ولا معين.
(1) سورة البقرة [31] .
(2) سورة الملك [23] .
(3) سورة الشمس [7 - 10] .
(4) سورة البلد [10] .