الصفحة 70 من 169

تحدثنا في الفصل السابق عن"الأعصاب النفسية".. أو الخطوط المتقابلة في النفس البشرية. وقلنا إنها"منافذ"متعددة -متشابكة متداخلة- تنفذ منها الحياة الخارجية إلى داخل النفس، وينفذ منها باطن النفس إلى الحياة .. كما قلنا إنها تقوم في النفس بما يشبه دور الأعصاب في الجسم. فإذا كانت هذه تنقل الأحاسيس من جميع أجزاء الجسم إلى المخ، ومن المخ إلى جميع الأجزاء .. فتلك تنقل المشاعر من أجزاء النفس كلها إلى الكيان النفسي المتجمع -إلى مركز الوجدان أيًا كان موضعه- ومن هذا الكيان المركزي المتجمع إلى جميع أجزاء النفس ...

من خلال هذه المنافذ تنطلق الطاقة الحيوية للإنسان .. الطاقة الدافعة، فتتلون بألوانها، كما تأخذ الأحاسيس لون العصب الذي تمر فيه، فتصبح إحساسًا بالألم أو اللذة أو الحرارة أو البرودة .. إلخ بحسب نوع العصب الذي تمر فيه، ثم تصبح في مركز الإحساس في المخ مزيًا مختلطًا من أحاسيس متباينة في وقت واحد .. وكذلك تتلون الطاقة الدافعة بلون"العصب النفسي"الذي تمر فيه، فتصبح شعورًا بالحب أو شعورًا بالكره، أو شعورًا بالخوف أو شعورًا بالرجاء ... الخ ثم تصبح في الكيان النفسي المتجمع مزيجًا مختلطًا من مشاعر متباينة في وقت واحد، يختلف في مجموعه عن المفردات ..

ولكن هذه الطاقة الحيوية ذاتها .. ما هي؟

أهي تفاعل كيميائي؟ أهي كهرباء؟ أهي طاقة كطاقة المادة؟ وما طاقة المادة؟!

وأين تسكن؟

أفي أعضاء الجسم وخلاياه؟

أم في"شيء"اسمه النفس؟

ومر مركز تجمعها؟

أهو المخ؟ أم جهاز"نفسي"يقابل المخ من الجسم؟

وإذا كان الجسم هو القاعدة التي تنبعث منها الطاقة الحيوية .. فما هي الصلة بين"الجسم"و"النفس"؟ ما الصلة بين"العضو"أو الغدة وبين"الشعور"الذي يصاحب نشاط العضو أو الغدة. كيف ينشأ هذا عن ذاك؟ أكما ينشأ الشعاع من المادة؟

"الشعور"الجنسي مثلا .."الحنين"إلى الجنس الآخر .."الرغبة"في القرب منه و"السرور"الذي يصاحب هذا القرب و"الألم"الناشئ من الحرمان منه .. و"الإحساس"بالجمال، و"الابتهاج"به و"الأنس"إليه ...

هذه المشاعر كلها أين هي من"هرمونات"الجنس، من العصارة الكيميائية التي تفرزها الغدد الجنسية في خلايا الجسم؟ وكيف ينشأ"الشعور"من"الكيمياء"؟ كيف تنشأ"النفس"من"الجسم"؟

أم هما طاقتان متوازيتان ومتصلتان، إحداهما تنبع من الجسم، والأخرى تنبع من"النفس"ويسيران في خط واحد ويتلازمان؟

والرغبة في الملك مثلا .. أين تنبع من كيان الجسم؟ في أي أعضائه وفي أي غدده تكمن الرغبة في تملك الأشياء والاستحواذ عليها؟

أم هي في"النفس"فقط؟ وما"النفس"على وجه التحديد؟

وكيف تتحول هذه الرغبة"النفسية"إلى حركة"جسدية".. حركة الجمع والاستحواذ؟

وحين يتعطل المخ عن العمل، تتعطل الوظائف النفسية من وعي وإدراك ونوازع ورغبات .. فهل معنى ذلك أن المخ هو النفس؟ أو أن النفس"تسكن"المخ؟ أو أن النفس تعمل عن طريق المخ؟!

مئات من الأسئلة لا يصل فيها الإنسان إلى يقين!

وقد تناولت الفلسفة من قديم موضوع النفس والجسم، وأبعدت في التيه .. ولم تصل إلى يقين.

ثم انفصلت الأبحاث النفسية عن الفلسفة -التي كانت جزءًا منها- وأخذت تتجه اتجاهًا متزايدًا إلى البحث التجريبي المعملي .. وكانت لها في هذا الموضوع آراء متفاوتة .. ولم تصل كذلك إلى يقين.

قالت المدرسة التجريبية -المعملية- إن"النفس"انعكاس لنشاط الجسم، وإن النشاط الحيوي والشعوري جسدي كله: كيميائي وكهربي. وإن ما نسميه المشاعر هو نتيجة التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الغدد والأعضاء، ونتيجة النشاط الكهربي الذي يحدث في المخ ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت