وقالت مدارس علم النفس النظري إن هناك"غرائز"أو"دوافع فطرية"أو ما يكون من الأسماء .. وإنها نفسية في أساسها، وإن لها مظاهر جسمية هي التعبير المحسوس عن الطاقة النفسية الأصيلة.
وتتردد بين هذا الطرف وذاك آراء ..
وما نملك أن نصل في هذا الأمر إلى يقين ..
هناك مظاهر تؤيد كلا من الرأيين، وتنقض كلا من الرأيين!
النشاط الجنسي كله .. بما فيه من مشاعر وأحاسيس ورغبات و"تهويمات"وانطلاقات واندفاعات .. وما يصاحبه من ميول فنية وأحاسيس جمالية .. ينقطع انقطاعًا تامًا إذا نزعت الهرمونات الجنسية من الجسم في وقت نموها الطبيعي .. ! وينشأ الفتى أو الفتاة بلا دوافع ولا ميول! كأنما هذه المشاعر كلها نابعة من الهرمونات!
والعقيدة في الله، وما تبعثه في النفس من مشاعر، وما تغرسه فيها من قيم ومبادئ، وما تدفع إليه من سلوك معين في الحياة .. توجد مع الجسم السليم والجسم غير السليم. الجسم المكتمل الأعضاء والجسم المبتور الأعضاء. الجسم النامي والجسم الضامر. وتظل موجودة طالما كان الجسم واعيًا فقط ومدركًا .. أي ما دام الإنسان لم يغب عن الوعي. فإذا غاب عن الوعي فإنه لا يدرك شيئًا مما يوجد حتى في داخله، ولا يدرك وجود العقيدة بالتالي، لا لأنها لم تعد توجد، ولكن لأنه هو لا يدرك .. فكأنما الجسم الواعي المدرك هو مجرد وعاء للعقيدة .. أما هي، والمصدر الذي تنبعث منه فلا علاقة لها بالجسم إلا حلولها فيه!
وبين هذا الطرف وذاك ألوان مختلفة من المشاعر والأحاسيس، بعضها ينبع من الجسم فيؤثر في النفس، وبعضها ينبع من النفس فيؤثر في الجسم، وبعضها يصدر عن الكيانين معًا في ذات الوقت ..
وقد يستطيع التليفزيون الإلكتروني في المستقبل أن يصور ما يدور في داخل النفس من نشاط في صور مرئية تبين من أين تنبعث المشاعر وكيف تنبعث .. أما الآن .. فلا يقين!
ربما كان أقرب تشبيه -وهو مجرد تشبيه لا نستطيع أن نحكم بصحته- هو المادة والإشعاع .. وهي حقيقة من حقائق الكون الكبير: أن المادة تتحول إلى إشعاع، والإشعاع يتحول إلى مادة. وأن الخلية الكونية -وهي الذرة فيما نعلم- مكونة من مادة وإشعاع. ولكنها تأخذ أحد الشكلين فقط في الوقت الواحد: فإما أن تكون مادة وإما أن تتحول إلى شعاع. أما الأجسام المشعة كالراديوم واليورانيوم والبلوتونيوم والأسترنشيوم وأمثالها، التي تجمع في ظاهرها بين المادة والإشعاع، فحقيقة الأمر فيها أن جزءًا من المادة يتحول باستمرار إلى إشعاع ويفقد مادته [1] ..
أما الإنسان -المزدوج الطبيعة الموحد الكيان- فهو الكائن الوحيد -فيما نعلم- الذي يشمل المادة والإشعاع معا، متصلين ممتزجين، عاملين معًا دون أن يُفْقَد أحدهما ليتحول إلى الآخر ..
يشمل هرمون الجنس الكيماوي -الذي تصحبه مشاعر الجنس النفسية من حنين وحب ورغب وسرور وابتهاج وإحساس بالجمال.
ويشمل العقيدة الروحية -التي تصاحبها حركات جسدية من التعبد والسلوك ..
وذلك مظهر من مظاهر الازدواج في طبيعته، ناشئ من الحقيقة العظمى في كيانه: أنه قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله.
الدوافع كلها يمكن تلخيصها في كلمة واحدة هي حب الحياة!
ذلك هو العنوان الذي يجمعها. ولكنها بعد ذلك تتفرع وتتشعب في أكثر من اتجاه .. بل في كل اتجاه!
تتفرع وتتشعب فتصبح دافعًا لحفظ الذات، ودافعًا لحفظ النوع، ودافعًا للقتال عن الذات أو القتال عن النوع، ودافعًا للملك، ودافعًا للتميز والبروز .. وكلها مظاهر لحب الحياة والتشبت بها والذود عنها والاستحواذ عليها والاستكثار منها والامتداد فيها ..
(1) إلى أن يخمد نشاطه فيصبح مادة لا إشعاع فيها ويتحول إلى عنصر آخر: كما يتحول الراديوم إلى رصاص عديم الإشعاع.