وسنتكلم بشيء من التفصيل عن كل واحد من هذه الدوافع بمفرده، وعن مهمتها مجتمعة، كما صنعنا في الحديث عن الخطوط المتقابلة في النفس البشرية.
ولكنا هنا -في مقدمة الفصل- نريد أن نقول كلمة عابرة عن الجهاز الآخر في النفس، المقابل لقوة الدفع في كيان الإنسان .. وهو جهاز"الضبط".. جهاز"الفرامل"المقابل"للمحرك".
إن القوى الدافعة ليست هي وحدها التي تكوّن بناء النفس .. ولا يمكن أن تكون كذلك!
لقد تعلم الإنسان وهو يخترع الآلة المتحركة أنه لا بد لها من جهازين اثنين: أحدهما ينشئ الحركة الدافعة، والآخر يوقف الاندفاع!
ثم لاحظ وجود هذه الحقيقة في تركيب نفسه .. في صميم بنيانه .. فأدرك وجود طاقتين مختلفتين في كيانه: قوة دافعة تحركه في شتى اتجاهاته، وقوة ضابطة تضبط حركة الاندفاع!
وكلتا القوتين من صميم الفطرة ..
ليست إحداهما أصيلة والأخرى مفروضة عليها من الخارج كما يرى علم النفس التحليلي، الذي ينظر -بطبيعة منهجه- إلى الدوافع المحركة، ويكره الضوابط التي تحد الاندفاع!
ليس المجتمع، أو الدين أو الأخلاق والتقاليد، أو دكتاتورية الأب، هي التي تنشئ الضوابط في نفس الإنسان! إنها -كما سنرى في البحث- استعداد فطري يولد مع الطفل. ولكنه يكون كامنا. كما تكون الرؤية كامنة في جهاز الإبصار في الأيام الأولى لم تنضج بعد .. ولكنها تنضج -فطريا- بعد قليل. وكما تكون الحركة كامنة في عضلات الجسم والأطراف في الأيام والشهور الأولى، لم تكتمل بعد (فالطفل مثلا لا يستطيع المشي إلا بعد تجاوز السنة الأولى) ، ويحتاج إلى معونة خارجية لمساعدة هذه الطاقة الكامنة في الظهور .. ولكنها في النهاية تظهر. وكذلك التوجيه والتهذيب والرعاية تنضج القوة الضابطة في كيان الطفل، وتساعدها -من الخارج- على استكمال نموها، ولكنها لا تنشئها من لا شيء. كما أن المساعدة ليست هي التي تنشئ حركة المشي من لا شيء!
ووجود الضوابط في داخل النفس -مع الدوافع- لا يزيد على أن يكون مظهر آخر من مظاهر الازدواج في الكيان البشري، الملحوظ في كل شيء يشتمل عليه ذلك الكيان!