"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً"
صدق الله العظيم
ما الإنسان؟
ما وظيفته؟
ما دوره في الحياة؟
ما طاقاته؟ وما حدود هذه الطاقات؟
تلك أسئلة ينبغي أن نعرف جوابها قبل أن نبدأ البحث في"النفس الإنسانية"! لتكون هدى لنا في هذا البحث، ولنكون على بينة -قبل أن نبدأ التحليل والتركيب- أننا لا نشطح بعيدًا عن الحدود التي يحددها وجود هذا"الإنسان"وطبيعته.
وقد تحاشت الدراسات النفسية الغربية هذه الأسئلة وأمثالها، بدعوى أنها من مباحث الفلسفة التي لا ينبغي أن يخوض فيها علم النفس. وأن علم النفس معني ببحث"الواقع"النفسي الذي يجده أمامه، غير ناظر إلى أي هدف آخر خارج عن نطاق هذا البحث.
ولكن ذلك أدى إلى عيبين كبيرين في تلك الدراسات:
الأول: أنه جعل هذه الدراسات على غير وعي"بالإنسان"المتكامل. الإنسان"الواقعي"الذي يعيش بحقيقته المتكاملة في دنيا الواقع. فانحرف معظمها إلى دراسة أجزاء متفرقة من الإنسان على أنها هي"الإنسان".. وأدت تلك الصور الجزئية إلى إعطاء صورة خاطئة ومشوهة عن الإنسان. كما ترتب عليها كذلك انتشار كثير من المفاهيم الخاطئة في الاقتصاد والاجتماع والآداب والفنون .. والتعامل الفردي والجماعي .. الخ.
الثاني: أنه جعل هذه الدراسات لا تميز كثيرًا بين الحالات السوية والحالات المنحرفة، لأنها فقدت المقياس الذي ترجع إليه لمعرفة الاستواء والانحراف. وعاملت كل شيء على أنه هو"الواقع"النفسي الذي تستخلص منه النظريات والتطبيقات. ومن ثم صار الواقع المنحرف الذي يعيشه الناس في الغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين هو المقياس الذي تقاس به النفس الإنسانية، وتصاغ النظريات على أساسه، وهو الصورة الطبيعية السوية ( normal) التي يتعامل معها"العلماء"!
هذان الخطآن المنهجيان يظللان معظم الأبحاث النفسية في الغرب، ويجعلان كثيرًا من الحقائق الجزئية التي يتوصل إليها العلماء لا تصل إلى دلالتها الحقيقية التي كان يمكن أن تؤخذ منها لو ارتكزت هذه الأبحاث على القاعدة السليمة للبحث، وهي"الإنسان".
يقول ألكسيس كاريل في كتابه"الإنسان .. ذلك المجهول"، وهو عالم مثقف أتيحت له -كما يقول في مقدمة هذا الكتاب- فرص نادة للبحث والاطلاع في شتى فنون المعرفة، من طب وطبيعة وكيمياء، وعلم وظائف الأعضاء وعلم الحياة، والآداب والفنون [1] :
(1) تعريب شقيق أسعد فريد. منشورات مكتبة المعارف ببيروت.