الصفحة 74 من 169

أما الإنسان، فعلى الرغم من نفخة الله فيه من روحه، فهو ليس إلها .. وما ينبغي له أن يكون .. وإنما هو قبضة من طين الأرض محدودة الكيان، محدودة الطاقة، محدودة الصفات. وكل ما منحه الله للإنسان من القدرة أو العلم أو الإرادة .. إلخ. فهو محدود بحدود قبضة الطين .. ومحدود بحدود دور الخلافة عن الله في الأرض .. الخلافة بكيان"الإنسان".

وفي هذا الكيان المكون من الطين والروح .. لا بد من وقود مشتعل ليتحرك ويبدع وينشئ، ويستغل الطاقات التي أودعتها النفخة العلوية في كيانه، للقيام بدور الخلافة عن الله.

هذا الوقود المشتعل هو الدوافع التي يشتمل عليها كيان الإنسان ..

ولا نسأل نحن: لماذا؟ لماذا كانت هذه هي الفطرة البشرية؟ لماذا لم يكن الإنسان مفطورا على أن يعمل بلا وقود ولا اشتعال ولا دوافع؟

لا تسأل لأنه ليس من شأننا أن نسأل. ولأن الله"لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ" [1] سبحانه وتعالى علوا كبيرا.

وإنما نعرف فقط .. ونتتبع مظاهر الإرادة الإلهية في هذا الكيان.

كان لا بد له من دوافع تدفعه إلى العمل .. وتعينه على تحمل المشاق.

لقد خُلق الإنسان في كبد ..

كل خطوة من خطاه على الأرض يتمثل فيها التعب والجهد والمشقة ..

الحركة الجسدية ذاتها عليها أن تقاوم جاذبية الأرض، فتبذل جهدا معينا في كل حركة حتى رفع الأصبع، حتى اندفاع الدم في داخل العروق ..

وتحويل المادة الخامة المحيطة بالإنسان في الأرض إلى مادة مشكّلة .. إلى بناء وزرع وصناعة .. تحتاج إلى الجهد المضني والعمل المتعب الطويل ..

وتعمير وجه الأرض بالنسل يحمّل الوالدين جهدًا مضنيا، كل في دائرة اختصاصه. الأم تحمل جنينها وهنا على وهن، وفصاله في عامين .. وما تنتهي من واحد حتى تستعد لحمل جديد وجهد جديد. والأب يحمل تبعة إطعام هذا النسل بعد مرحلة الرضاع، وتبعة كسوته وإسكانه وحمايته وتوفير الراحة له، ثم إعداده وتربيته حتى يصبح قادرا على تسلم الدور، والإنشاء من جديد ..

وهكذا كل حركة من حركات الخلافة التي نيطت بالإنسان تحتاج إلى بذل الجهد وتحمل المشقة ..

فما الذي"يدفع"الإنسان إلى هذا الجهد كله، ويعينه على تحمل المشاق؟

لا بد له من دافع! لا بد له من وقود مشتعل ينفث فيه الحركة والاندفاع .. !

لا بد من دفعة تكافئ الجهد المبذول ..

ولكن لا .. فلو تكافأت قوة الدفع مع المشقة المبذولة لوقف الإنسان عند نقطة الصفر لا يتحرك ولا يعمل ولا يسير!

كل جسم تتولاه قوتان متساويتان متضادتان في الاتجاه فهو ساكن ثابت لا يريم!

لا بد أن تغلب إحدى القوتين لتدفع الجسم إلى الحركة في الطريق الذي تريد.

لا بد أن تزيد القوة الدافعة عن المقاومة ليحدث التحرك المطلوب.

ومن هنا كان لا بد أن تكون الدوافع قوية قوية .. ليتحرك الإنسان ويعمل ويسير في الطريق ..

كان لا بد له من وقود مشتعل شديد الاشتعال، ينفث فيه الحرارة المتوقدة التي تستحث خطاه على الأرض. ومن ثم كانت"الشهوات"...

كل دافع من الدوافع الفطرية يحمل معه قوته الدافعة .. ولكنه يحملها بطريقة فذة فيها كل"الضمانات"التي تضمن ألا يتعطل الدافع أو تغلبه العقبات!

لا يكفي أن يكون الدافع"من الخلف".. بل يصحبه الجذب من الأمام! حتى إذا ضعفت إحدى القوتين لسبب من الأسباب كانت الأخرى كفيلة بأداء الدور المطلوب!

جذب من الأمام هو اللذة .. ودفع من الخلف هو الألم. وهما معًا مرتبطان بكل نزعة فطرية في الإنسان.

اللذة هي الحداء الذي يشد الإنسان إلى الأمام .. فيتحرك لتحقيق هذه اللذة، التي ركب في طبيعته أن يستجيب لها ويسعى إليها، كما ركب في قطعة الحديد أن تنجذب إلى المغنطيس.

(1) سورة الأنبياء [23] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت