"أما الطاقة المعنوية .. الطاقة التي هي إنسانية أصيلة .. الطاقة التي تميز بها الإنسان عن الحيوان .. فالإسلام يحتفل بها احتفالا ضخمًا، ويجعلها هي أساس الحياة الإنسانية، بما أنها هي أساس إنسانية الإنسان."
"أول ما يحتفل بها يمنحها العقيدة. العقيدة على شمولها واتساعها وطلاقتها. العقيدة بمعنى الإيمان بوجود الله ووحدانيته. وبمعنى العبادة لله وإخلاص الدين له. وبمعنى تصور الكون والحياة على أساس هذا الإيمان بالله. وبمعنى الإيمان بالحق الذي خلق به الله السماوات والأرض. وبمعنى إحقاق هذا الحق على ظهر الأرض. وبمعنى إقامة المجتمع الإنساني على أساس الحق الإلهي الذي نزل به القرآن. وبمعنى الجهاد في سبيل الله، وفي سبيل الحق وفي سبيل الإسلام .. الجهاد في سبيل إقامة مجتمع نظيف متوازن يؤمن بما أنزل الله، ويحكم بما أنزل الله .. تلك هي العقيدة التي يبذرها الإسلام في النفوس، ويغذي بها الطاقة المعنوية في الإنسان".
"والإسلام يتناول هاتين الطاقتين [السلبية والإيجابية] فيضع كلاّ منهما في مكانه الصحيح، وفي التو تنطلق النفس صحيحة البنيان قوية الكيان .. كما تدور الساعة في اللحظ التي يتم فيها وضع المسامير و"التروس"في مكانها الصحيح."
"يجعل الإسلام سلبية كاملة إزاء الله .."
"وإيجابية كاملة إزاء كل قوى الكون."
"وبذلك تصلح النفس وتسقيم الحياة."
"سلبية كاملة إزاء الله .. فالله هو الخالق، والله هو المدبر، والله هو مالك الملك ومصرف كل أمر. هو الذي يحيي ويميت ويبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر. وهو القاهر فوق عباده. وهو الفعال لما يريد. وهو الذي يملك حقًا أن ينفذ ما يريد، حيث لا يملك أحد غيره من البشر لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فضلا عن أن يملكوا للآخرين ..."
"... وهو تسليم الحب! وليس تسليم القهر!"
"إن الله هو القاهر فوق عباده حقًا. وهو يملك كل وسائل القهر، وبيده ملكوت كل شيء. ولكن الله ذاته هو الذي يحب عباده ويرضى عنهم، ويدعوهم إلى حبه"والرضى عنه"."
"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ."
"رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ."
"وهو تسليم الاطمئنان: ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب."
"ومن هذا التسليم الخالص لله يستمد الإنسان إيجابيته الكاملة تجاه الأشياء والأشخاص والأحداث!"
"إنها العجيبة التي تحدث في النفس المؤمنة! عجيبة الإيمان التي تملؤها فتطلقها بانية منشئة هادية، مكافحة معتزة مجاهدة مستعلية!"
"وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ"تلك هي العزة إزاء الأشخاص.
"وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ"وتلك هي العزة إزاء الأحداث.
"وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ". وتلك هي العزة إزاء الأشياء.
"عزة كاملة في كل اتجاه."
وهذه معجزة الإيمان. التسليم الكامل لله يعطي النفس هذه القوة العجيبة التي تكافح بها كل شيء وتستعلي بها على كل شيء، وتنشئ بها ما تريد.
"إنه لا عبودية لقوة المادة ولا قوة الاقتصاد ولا قوة الدولة ولا قوة المجتمع ولا قوة العادة ولا قوة التقاليد .. لا"حتمية"لشيء على وجه الأرض إلا سنة الله:"وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا". ومن سنة الله أن تكون النفس المؤمنة قوة كونية قادرة، تسير مع الناموس الأكبر، وتفهم عنه أسراره، وتستغل قواه وطاقاته .. لأن هذه القوى والطاقات كلها مسخرة للإنسان بإذن من الله."