الصفحة 67 من 169

"ومزية الإسلام -في مسايرته للفطرة- أنهلا يترك وترا من أوتار النفس لا يوقع عليه. ثم هو لا يوقع على وتر أكثر من طاقته، أو يبخسه قدره فلا يوقع عليه ما يستحق من نغمات! وبذلك يشمل الكيان الإنساني كله، وفوق ذلك يحدث التوازن في داخل النفس بشدها إلى أوتادها جميعًا فلا تميل من هنا ولا تميل من هناك، والتوقيع على أوتارها جميعًا فلا تتعلق من جانب وتظل في الجانب الآخر صماء!"

"والإسلام يعمد إلى خطّي الخوف والرجاء، فينفض عنهما أولا كل خوف فاسد وكل رجاء منحرف، ثم يعمد إليهما بعد ذلك فيوقع عليهما الإيقاع الصحيح الذي يصدر عن نفس بشرية سوية ينبغي لها أن ترجو وينبغي لها أن تخاف."

"ينفض من وتر الخوف أولا كل ما يرهق كاهل البشر من مخاوف زائفة .. زائفة لأنه لا طائل وراءها: لا تقدم ولا تؤخر .. ولا تغير شيئًا من واقع الأمر!"

"ينفض عنه الخوف من الموت! إذ أنه .. ما قيمته؟ هل يؤخر الأجل، أو يغيّر المكتوب؟ كلا! وما دام لا يغيّر شيئًا من الواقع فهو إذن أمر لا يليق .. إنه تبديد للطاقة وتدمير للكيان .. بلا نتيجة."

"لذلك يكرر القرآن هذه الحقيقة في صور شتى وإيقاعات متنوعة."

"إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ".. إلخ .. إلخ ..

"والخوف على الرزق كذلك:"

"قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ"؟؟ إلخ .. إلخ.

"وكذلك الخوف من أذى الناس ومن أي ضرر توقعه بالإنسان قوى الأرض ..."

"وكذلك الخوف من النتائج المجهولة المبنية على حاضر معلوم ..."

"وهكذا يتناول القرآن كل المخاوف البشرية الزائفة واحدًا واحدًا فينفضها عن النفس، ويرفع عنها إصرها، ليطلقها تواجه الحياة قوية عزيزة متمكنة متطلعة، مطمئنة إلى قدر الله."

"ثم يمسك وتر الخوف -الفطري في النفس البشرية- فيوقع عليه نغمة الخوف القويمة الأصيلة التي ينبغي أن تصدر عن هذا الكيان."

"إن قوى الأرض كلها لا تخيف -أو لا ينبغي أن تخيف- لأنها قوى مسخرة. لا تستمد من نفسها، ولا تملك لنفسها ضرًا ولا نفعا. والقوة التي ينبغي أن تخاف حقًا هي القوة التي بيدها كل شيء. هي المانحة حقا والمانعة حقًا. وإذن فخوفها هو الخوف الواجب. وخشيتها هي السبيل."

"الخوف ينبغي أن يكون من الله. ومما يُخَوّف به الله".

"من أجل ذلك يضع الإسلام"ضوابط"لشهوة الحب والكره. ضوابط تتصل بالروح، وضوابط تتصل بالعقل، وجميعها يتصل بالله ..."

"ولكي يصل الإسلام إلى ذلك فإنه يوقع على وتر الحب أنغاما جميلة شفيفة رائقة تنتهي في النهاية إلى أن يحب الإنسان نفسه في وضعها الصحيح!"

"يوقع أولا نغمة الحب لله .. وإنها لتوقيعات شتى ..."

"ويوقع نعمة الحب للكون الذي خلقه الله .. فالإسلام -كما قلنا من قبل- يعقد صداقة قوية بين الكون والإنسان ..."

"ثم يوقع نغمة الحب لبني الإنسان .."

"وحين يوقع الإسلام أنغام الحب هذه كلها، فإنها -بطبيعتها- توازن حب الإنسان لنفسه، وتضعه في وضعه الصحيح، الذي لا يظلم ولا يجور، ولا يغتصب لنفسه حقوق الآخرين."

"أما الكره فيوجهه إلى قوى الشر في الأرض ..."

"الإسلام يساير الفطرة بشقيها، فيعطي الطاقة الحسية غذاءها، ويمنح الطاقة المعنوبة مجال العمل والإبداع."

"كل لذائذ الحس مباحة ما دامت في الدائرة المأمونة النظيفة التي لا تضر بالفرد ولا تضر بالمجموع. لذائذ الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس .. وما يبتدعه الإنسان من أدوات تيسر حياته وتوفر جهده وتمتع حسه المتعة الحلال .. وفي ذلك غذاء كامل لطاقة الحس."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت