الصفحة 66 من 169

مرة تبرز الفردية .. ومرة تبرز الجماعية .. الخ.

وفي النهاية يكونان قد نضجا كلاهما، فيتداولان البروز والانحسار في النفس -على نضج- فيبرز هذا وينحسر ذاك مع وجودهما كليهما على مستوى واحد من النضوج.

تلك المرحلة الطويلة من النمو عرضة للانحراف في كل مرة إذا لم يلاحقها التقويم والتهذيب.

الطفل عرضة مثلا لأن ينضج فيه جانب السلبية ولا ينضج جانب الإيجابية فينشأ ضعيف الشخصية خامل الكيان.

وعرضة لأن ينمو فيه الجانب الحسي ولا ينمو الجانب المعنوي الذي يوازنه فينشأ منغمسًا في لذائذ الحس، لا يرتقي إلى عالم القيم والأفكار والعقائد .. ويظل على مقربة من عالم الحيوان.

وعرضة لأن ينمو فيه جانب الواقع ولا ينمو جانب الخيال [أو العكس بطبيعة الحال] فينشأ مسرفًا في أحد الجانبين وناقصًا في الجانب الآخر .. واقعيًا ضيق الأفق لا يقوى على التفكير خارج نطاق الواقع الصغير الذي يحيط بشخصه أو مجتمعه .. أو خياليًا لا يحسن مواقعة الحياة، يتعثر في مشكلاتها على الدوام.

وعرضة لأن ينمو فيه جانب الفردية فيطغى، ويظلم، وتنضب في نفسه مشاعر الإنسانية والمودة والإخاء .. أو جانب الجماعية فيذوب في كيان الآخرين ويصبح بلا كيان ..

هذه واحدة ..

ثم هو عرضة لأن يغذي هذه المشاعر والطاقات بغذاء خاطئ .. نتيجة تنمية بعض الأزواج دون بعضها الآخر.

قد ينمو فيه خطا الفردية والجماعية معًا .. وليس أحدهما دون الآخر .. ولكنهما ينموان في محيط ما تدركه الحواس فحسب، دون أن ينمو في محيط الإيمان بالغيب. وهنا ينشأ اختلال من نوع آخر. فليس منشأ الاختلال أن النزعة الفردية قد غلبت أو النزعة الجماعية .. ولكن منشأه أن هذا التوازن الجزئي بين الفردية والجماعية قد اختل بكامله لأنه جنح إلى جانب الإيمان بالمحسوس دون الإيمان بالغيب. وأقرب مثال لذلك"الديمقراطيات"الغربية حتى المتوازن منها، التي تدع مجالا معقولا للفرد ومجالا معقولا للجماعة. ولكنها في الوقت ذاته تعيش -فردًا وجماعة- على مستوى الحيوان لا على مستوى الإنسان. على مستوى اللذائذ الحسية والمنافع القريبة، بعيدًا عن القيم العليا، وبعيدًا عن الله.

وذلك يكفي لإعطائنا فكرة عن مجالات الانحراف في هذه الخطوط ..

والطريقة التي تتبعها نظم التربية والتهذيب يتوقف عليها مصير الإنسان في مرحلة النضوج.

وكثير من الاختلالات التي تعانيها البشرية اليوم في الشرق والغرب .. سببها اختلال في طريقة التهذيب.

إن البشرية كلها تمارس نوعا من التهذيب بالضرورة .. يستوي في ذلك سكان الكهوف وسكان أرقى المدن في أرقى الحضارات. فالتهذيب من اللوازم الأولى للبشرية. ومن بديهياتها التي تفترق بها عن الحيوان.

ولكن نظم التهذيب تفترق فروقًا شاسعة من أقصى اليسار لأقصى اليمين.

والغرب -الذي تغلب حضارته اليوم على الأرض- يمارس ألوانا من التهذيب، رائعة جدًا في بعض جزئياتها، ولكنها في مجموعها منحرفة أشد الانحراف.

والسبب كما قلنا هو العناية ببعض الخطوط البشرية دون بعضها الآخر، أو تغذيتها بغذاء فاسد من هنا أو هناك.

ولا تستقيم الفطرة ولا تتوازن إلا حين تُهذّب الخطوط كلها في ذات الوقت، وتغذى بالغذاء الصالح السليم.

وهذا ما يصنعه الإسلام .. دين الفطرة:"فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا .. ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ" [1] .

وقد تحدثت بتفصيل في كتاب"منهج التربية الإسلامية"عن طريقة معالجة الإسلام للخطوط المتقابلة في النفس البشرية .. بما لا أملك نقله هنا ولا تكراره في هذا الكتاب.

ولكن لا بأس من بعض فقرات:

(1) سورة الروم [30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت