وعلى قدر ما تشتبك نفس الإنسان بالحياة والكون بهذه المشابك المختلفة تزداد قيمته في الحياة ويعظم الدور الذي يؤديه فيها. وعلى قدر ما تنفصم الرباطات يتضاءل دوره في الحياة!
أما المهمة الكبرى -الملحوظة في تقابل الخطوط على جانبي النفس- فهي إنشاء التوازن في كيان الإنسان.
إن كل خطين متقابلين هما رباطان يربطان الكيان النفسي من الجانبين.
وبقدر تعدد الخطوط تتعدد الرباطات .. وتقابل كذلك من الجانبين.
وقد أحصينا منها ثمانية أزواج متقابلة [أو تسعة] [1] في هذا الفصل -وقد يكشف البحث عن مزيد0 فإذا تخيلنا ثمانية أزواج من الأوتاد المربوطة ثمانية من هنا وثمانية من هناك، في نقط متفرقة، مرسومة رسمًا هندسيًا دقيقًا، استطعنا أن نتخيل الكيان الذي تربطه هذه الأوتاد متوازنًا توازنًا كاملا لا يميل من هنا ولا يميل من هناك.
وتلك إرادة الله لهذا المخلوق .. التوازن الذي يجعله يمشي على الصراط!
إن التوازن سمة عامة للكون كله الذي خلقه الله ..
السماوات والأرض .. الكواكب والنجوم .. المادة والإشعاع .. كل شيء في خلق الله ملحوظ فيه التناسق الدقيق والتوازن المضبوط .. التوازن الذي يدير الأفلاك في فضائها الهائل في مدارات مضبوطة لا تختل ولا تصطدم ولا تخرج عن خطها قيد شعرة في هذا الفضاء الرهيب ..
والأرض ملحوظ فيها التوازن في عناصرها، في برها ومائها، في جوها، في كائناتها الحية:"وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ" [2] .
والإنسان بضعة من هذا الكون تحكمه نواميسه ..
وفي فطرة الإنسان هذا التوازن .. تنشئه هنا هذه الخطوط المتقابلة في النس البشرية- حين تكون كلها في وضعها الصحيح ونسبها الصحيحة- فتشده من الجانبين بنسب متساوية، وتجعله في النهاية يقوم متوازنًا في نقطة الوسط الموزون.
تلك بعض الأسرار في تركيب النفس المعقد المتشابك الدقيق.
وما نزعم، وما يزعم أحد، أنه يحيط بكل أسرار النفس، ويصل إلى كل أغوارها .. وإنما استجيب لأمر الله حين يقول الناس:"وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ" [3] فنحاول أن نبصر منها بقدر ما تطيق البصائر والأبصار!
ثم ننتقل من استعراض الخطوط المتقابلة وما نكشف عنه من مهامها .. إلى الطرق التي تتبعها نظم التربية في"تهذيب"هذه الطاقات والاستعدادات والخطوط ..
إنها -بادئ ذي بدء- لا بد لها من تهذيب!
حقيقة إنها فطرية كلها، وإنها تؤدي -بالفطرة- إلى التوازن الصحيح في نهاية المطاف.
ولكن من حقيقة الفطرة كذلك أنها تحتاج إلى"التربية"و"التعليم".
إن الإنسان ليس أُحاديّ النزعة في أي شأن من شئون كيانه ..
ومن ألوان الازدواج في طبيعته أن في كيانه استعدادًا للاستواء واستعدادًا للانحراف [4] .
ومن أجل ذلك يحتاج إلى التقويم والتهذيب ليستقيم .. وإلا مال مع الاستعداد الآخر .. استعداد الانحراف!
وسنتكلم في فصل الشذوذ والانحراف عن بضعة من ألوان الشذوذ بعد أن نستكمل الحديث عن النفس السوية في كل مجالاتها.
ولكنا هنا -فيما يتعلق بالخطوط المتقابلة في النفس البشرية- تذكر أننا في أثناء استعراضها لحظنا طريقة نموها من الطفولة الباكرة إلى مرحلة النضوج، فرأيناها تنمو في دفعات، كل دفعة تكاد تختص بأحد الجانبين حتى ينضج الخطان معًا في نهاية المطاف.
مرة يبرز الحب لينضج .. ومرة يبرز الكره.
مرة يبرز الخوف .. وميرة يبرز الرجاء.
كرة يبرز الحسي .. ومرة يبرز المعنوي.
مرة يبرز الواقع .. وميرة يبرز الخيال.
(1) انظر الهامشة في ص114.
(2) سورة الحجر [19] .
(3) سورة الذاريات [21] .
(4) انظر بعد ذلك فصل"الشذوذ والانحراف"وفصل"الخير والشر".