الصفحة 64 من 169

وذلك مثل واحد .. يتكرر مع كل زوج من الخطوط نبدأ منه ونركب الآخرين عليه! وهو مثل بسيط لا تعقيد فيه .. مكون من زوجين اثنين في كل مرة .. يمكن أن نتدرج معه بمزج ثلاثة أزواج مرة واحدة. كما يختلط خطّا الخوف والرجاء بالفردية والجماعية بالحسية والمعنوية .. فيخاف الإنسان على نفسه فردًا في محيط الحس، ويخاف على نفسه فردًا في نطاق المعنويات. ثم يخاف على الجماعة في محيط الحس، ويخاف على الجماعة في محيط المعنويات!

ثم نظل نتدرج حتى نصل -إذا استطعنا- إلى تصور الخطوط كلها ممتزجة متشابكة تعمل في وقت واحد وفي نطاق واحد .. فهذه إذن هي النفس الإنسانية!!

بهذه"الأعصاب النفسية"المتداخلة المتشابكة المتعددة المتنوعة،"يتذوق"الإنسان عددًا لا يحصى من مشاعر الوجود!

وتلك إحدى نعم الخالق عليه .. إحدى المواهب التي كرمه بها وفضله على كثير ممن خلق:"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" [1] .

هذه السعة النفسية -الفريدة في كل ما نعلم من خلق الله- هي التي تعطي الحياة البشرية تلك السعة والتنويع الذين تتميز بهما حياة الإنسان عن غيره من المخلوقات.

هي التي تعطيه موهب الحياة على مستويات متعددة وفي اتجاهات متعددة: حسية ومعنوية، مادية وروحية، فردية واجتماعية، اقتصادية وسياسية وفكرية وفنية وعلمية وعملية ..

هي التي تجعله ينشئ الحضارات، بكل ما تشتمل عليه الحضارة من إنتاج في عالم المادة وعالم الفكر وعالم الروح ..

هي التي تجعل يديه تعملان في المادة، ونفسه تعمل في القيم، وروحه تعمل في العقيدة ..

هي التي تجعله يأكل ويشرب ويقضي ضروراته كلها في عالم الحس، ثم يسبح بروحه في ملكوت الله الواسع، ثم تنبض مشاعره بأحاسيس فنية يسجلها في قصيدة أو لوحة أو لحن أو ما شاء من الفنون ..

هي التي تجعله يدخل الحرب ويعقد السلم .. يقتل ويسفك الدماء، ثم تشف روحه بالحب كأنها شعاع من النور ..

هي التي تجعله يكشف ويخترع ويصل كل يوم إلى جديد ..

وهي موهبة موهوبة له من الخالق .. لأمر أراده يوم خلق الله الأرض والسماوات!

والمهمة الثانية لهذه الخطوط المتقابلة -غير توسيع الحياة وتلوينها وتعديد مذاقاتها ومنتجاتها- هي إنشاء"روابط"متعددة بين الإنسان والحياة.

إن الخالق المبدع -سبحانه- وقد شاء للإنسان أن يؤدي دوره الضخم في حياة الكون- قد شاء له أن يرتبط بالحياة بأكثر من رباط. وسنتحدث في الفصل التالي"الدوافع والضوابط"عن كثير من هذه الرباطات. ولكنا هنا نكتفي بأن نقول إن هذه الخطوط المتعددة تعتبر نقط اتصال -أو"مشابك"- تشتبك النفس عن طريقها بالحياة. تتصل بها خوفًا ورجاء، وحبًا وكرهًا، وحسًا ومعنى، واقعًا وخيالا، وفردية وجماعية .. الخ فتنفذ الحياة إلى النفس من هذه المنافذة المتعددة، وتخرج النفس إلى الحياة من هذه المنافذ كذلك .. فتتعمق الصلات بين الإنسان والحياة، وبين الإنسان والكون .. وتكون هذه الصلات العميقة الوثيقة أداة من أدوات الخلافة في الأرض، إذ ينبغي -في علم الله- أن تكون الصلات عميقة جدًا ومتعددة ومرتبطة بأوثق الحبال وأمتنها، لكي يستطيع الإنسان أن يقاوم العقبات الكثيرة في طريقه، وينتصر في معركة"الكدح"الدائم الذي يمثل الحياة:"يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ" [2] ."لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ" [3] .

(1) سورة الإسراء [70] .

(2) سورة الانشقاق [6] .

(3) سورة البلد [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت