الصفحة 63 من 169

إن امتداد الأعصاب في الجسم كله وتداخلها واشتباكها مهمته أن ينقل"الحس"من المخ إلى جميع أجزاء الجسم ومن جميع الأجزاء إلى المخ، فيحس الإنسان"بكل شيء"يقع في نطاق حسه، ويدرك عن هذا الطريق- كل ما يتاح له إدراكه.

و"الأعصاب النفسية"إذا جاز لنا استخدام هذا اللفظ .. وهي الخوف والرجاء، والحب والكره، والحسية والمعنوية .. الخ .. الخ .. تمتد إلى كل جزء من أجزاء النفس، ثم تتجمع في الكيان النفسي الموحد، لكي تنقل الإشارات من هذا الكيان الموحد إلى الأجزاء، ومن الأجزاء إلى الكيان الموحد، فيحس الإنسان بكل شيء في نطاق شعوره، ويدرك -من هذا الطريق- كل ما يتاح له إدراكه.

تلك هي المهمة الأولى لهذه الأعصاب النفسية ..

ومن هنا يتضح أنها -بتعددها، واختلاف أنواعها، وامتدادها، وتشابكها- تعطي سعة عظيمة للنفس الإنسانية، هي مظهر من مظاهر القدرة التي وهبها الله للإنسان وهو يمنحه الخلافة عنه في الأرض:"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" [1] ..

فقد لمحنا -في أثناء الاستعراض التفصيلي لكل زوج من الخطوط- أنها تتداخل، فينتج من تداخلها مزيج جديد غير المزيج الأصلي لكل زوج من الأزواج بمفرده!

الخوف والرجاء زوجان من الخطوط .. يعطيان -منفردين- لونا معينا من الشعور.

ثم يختلط الخوف والرجاء بالحسية والمعنوية .. فينتج خوف حسي -يتصل بالجسم وبالمحسوس- وخوف معنوي يتصل بالمشاعر والقيم والأفكار .. ورجاء حسي يتصل بنعيم الجسم ولذائذه، ورجاء معنوي يتصل بالسعادة الشعورية والفكرية والروحية.

ويختلطان بالحب والكره .. فإذا هناك خوف مكروه .. وخوف محبوب! خوف مكروه يخافه الإنسان ويكرهه في ذات الوقت، كما يخاف الموت ويكرهه. ويخاف الألم ويكرهه .. وخوف محبوب، كالمخاطر، والمغامرات التي يخشاها الإنسان ومع ذلك يحبها ويقبل عليها .. بل قد يندفع إليها ولو أدت إلى الموت! وإذا هناك رجاء محبوب ورجاء مكروه! رجاء محبوب يرجوه الإنسان ويحبه، كما يرجو النعيم ويحبه .. وكما يرجو لقاء الأحباب ويحبه .. ورجاء مكروه .. كما يرجو الإنسان النجاة والأمن لنفسه أحيانا ببذل شيء من كرامته أو إنسانيته أو حريته .. فهو يحب النجاة ولكنه يكره مجيئها إليه بهذه التضحية المزرية، ويختلط الشعوران معًا فإذا هو رجاء مكروه!

ويختلطان بالواقع والخيال .. فإذا هناك خوف واقعي، ناشئ من شيء موجود في عالم الواقع، وخوف خيالي ناشئ من أشياء متخيلة أو موهومة .. وإذا هناك رجاء واقعي، متصل بأمر واقعي، ورجاء خيالي يعيش في عالم الوهم!

ويختلطان بما تدركه الحواس وما لا تدركه الحواس .. فإذا هناك خوف متصل بالعالم المحسوس، وخوف متصل بالغيب .. خوف متصل بالله، وخشيته وتقواه .. وإذا هناك رجاء متصل بالعالم الأرضي المحسوس، ورجاء متصل بعالم الغيب .. رجاء في الله.

ويختلطان بالسلبية والإيجابية .. فإذا هناك خوف سلبي .. يجعل الإنسان يجمد مكانه ولا يتحرك .. وخوف إيجابي، يجعل الإنسان يقتحم الأمر المخيف المرهوب .. وإذا هناك رجاء سلبي .. رجاء الاسترخاء والتواكل البليد .. ورجاء إيجابي يسعى لتحقيق ما يريد.

ويختلطان بالفردية والجماعية .. فإذا هناك خوف فردي يتصل بذات الإنسان المفرد .. وخوف جماعي يتصل بإحساس الإنسان بالجماعة التي يعيش فيها وخوفه عليها من أن يصيبها مكروه. وإذا هناك رجاء فردي يتصل بذات الإنسان وحده .. ورجاء جماعي، حين يرجو الإنسان الخير للجماعة التي يعيش فيها ولها.

وهكذا .. وهكذا ينشأ مزيج جديد في كل مرة يختلط فيها خطا الخوف والرجاء بخطين آخرين من خطوط النفس!

(1) سورة البقرة [30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت