الصفحة 62 من 169

وكما رأيناه يتداول الواقع والخيال .. والسلبية والإيجابية .. كل منها تبرز في فترة معينة لتتدرب للمستقبل ..

فكذلك الفردية والجماعية تتداولان البروز في كيانه .. تنمو هذه مرة وتنمو الأخرى مرة ليكون عند نضجه قد تدرب على جميع المشاعر وجميع الاتجاهات!

فهو يعود في فترة المراهقة جماعيا بصورة بارزة، بعد فترة الفردية السابقة .. وإن كان -كما سبق أن بينا- لا يفقد أيًا من عنصريه في لحظة بروز العنصر الآخر. وإنما ينحسر الآخر انحسارًا مؤقتا ولا يزول.

ثم يستوي في مرحلة الشباب والنضج على وضعه الطبيعي الذي يقضي به بقية حياته بعد أن تدريت كل جوانبه من قبل .. وفي هذا الوضع الطبيعي تعمل النزعتان معا .. ولكن على صورتهما الطبيعية التي تجعل هذا الجانب يبرز في لحظة وذاك في لحظة .. في تداول مستمر مدى الحياة.

وفي كل شأن من شئون الحياة يواجه الإنسان الأمر بكيانه كله .. أيًا كان الجانب البارز منه في هذه اللحظة أو تلك .. ولا يواجهه مرة واحدة بجزء واحد من كيانه، فهذا أمر مستحيل!

يكبر الإنسان .. ويتزوج ويكوّن أسرة .. ويشارك في تسيير دفة المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وفكريا وروحيا بصورة من الصور .. وهو في كل ذلك إنسان ذو نزعتين، فردية وجماعية .. متشابكتين ومجتمعتين .. لا تنفصل إحداهما عن الأخرى ما دامت الحياة ..

لذلك كان عجبا ما يراه فرويد وغيره من التحليليين .. من أن الفرد هو الضحية الدائمة للمجتمع .. وأن المجتمع شيء مفروض على الإنسان من خارج كيانه، وضاغط عليه وكابت لرغباته، ومعوّق لنموه الأصيل!

عجب .. وقد تبينا كيف ينشأ المجتمع من داخل كيان الفرد .. من أعمق أعماقه .. من رغبته في الاجتماع بالآخرين!

ولا نتحدث هنا عن المجتمع المنحرف الذي يضغط كيان الفرد ضغطا زائدا عن الحد [وفرويد لا يتحدث عن المجتمع المنحرف، وإنما يتحدث عن كل مجتمع .. عن المجتمع إطلاقا!] وإنما تتحدث عن المجتمع"الطبيعي"الذي ينشأ حتما من تلاقي الأفراد، والذي يعيش فيه الفرد بالقدر المعقول من الحرية والانطلاق [في الحدود التي لا تدمر المجتمع، لأن تدمير المجتمع هو بالتالي تدمير للأفراد!] هذا المجتمع ليس مفروضا على الإنسان من خارج نفسه، وليس راغبا في قتله، وليس معوّقا لنموه الطبيعي .. بل هو التكملة الطبيعية للفرد [ما دامت نابعة من داخل نفسه] وهو الامتداد الطبيعي الذي يجد فيه الفرد وجوده المتكامل السليم.

وعجب كذلك ما يراه علماء الاجتماع -الجماعيون [دركايم وأمثاله] الذين يرون المجتمع قوة قائمة بذتها، غير نابعة من كيان الأفراد، ومؤثرة في الأفراد بإرادة مستقلة عن إرادتهم! أين توجد هذه القوة إذن؟! في أي فراغ مطلق تقيم، ومن أي فضاء تؤثر في حياة الأفراد وتوجههم؟!

هؤلاء وهؤلاء ينحرفون في تصورهم للأمر، لأنهم يأخذون الإنسان من أحد جانبيه دون الآخر، وينظرون للحياة من زاوية رصد منحرفة لا ترى إلا جانبًا واحدا من الجانبين ..

ولو رأوا الإنسان على طبيعته .. الفردية الجماعية معًا في ذات الوقت .. ولو لاحظوا أن هذا الازدواج طبيعة شاملة .. وأن الخطوط المتقابلة في النفس البشرية ظاهرة تشملها كلها .. إذن لعرفوا أن الفرد أصيل كالمجتمع سواء!

هذه الخطوط المتقابلة التي استعرضناها تفصيلا من قبل .. إنها مجتمعة تؤدي مهمة معينة في حياة الإنسان! إنها تمتد -متقابلة- على جانبي نفسه، وتشتبك وتختلط في داخلها، كما تشتبك الأعصاب وتمتد في داخل الجسم والأطراف، لتؤدي في كيان النفس مهمة شبيهة بمهمة الأعصاب في كيان الجسم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت