الصفحة 61 من 169

"... وهذه فطرة الإنسان: فرد داخل في المجموع. أصيل الفردية، أصيل في الميل للمجموع، وهو دائم التقلب بين نزعتيه المتناقضتين، كما ينقلب في نومه من جنب لجنب ليستريح! ولكنه في كل لحظة شامل لجانبيه معًا على اختلاف في النسبة والمقدار" [1] .

والمعقول أن تكون الفردية هي الإحساس الأول الذي يخطر في النفس ..

فالطفل يحس -حين يبدأ في الإحساس- بأنه موجود كفرد محدد الكيان. وهو إحساس مبهم بكل تأكيد في مبدأ الأمر. فكل أجهزة الإحساس عند الطفل لا تكون عند مولده تامة التكوين. ولكنه يحس أنه جائع. ويحس هذا الجوع في داخل كيانه الفردي المحدد. ويحس حين يرضع بلذة في الرضاعة، ورضا واكتفاء. ويحس آلاما في جسمه من تأثير الجو أو من تأثير وضع غير مريح فيصرخ .. حتى يجاب إلى ما يريد .. وهكذا يتضح له كيانه الفردي رويدا رويدا وتتحدد معالمه وتبين ..

ومع ذلك فهو منذ اللحظة الأولى عاجز عن الاستقلال بكيانه الفردي! محتاج أشد الحاجة إلى مدد من الخارج يأتيه في صورة الثدي والحضن .. وهما كل ما يتبينه من معنى"الأم"!

فهو إذن -بحكم الضرورة ذاتها- محتاج إلى"المجتمع"الخارجي في شخص الأم.

وإحساسه بهذه الحاجة مبهم في مبدأ الأمر كإحساسه بذاته! فربما يخيل إليه أن الثدي قطعة منه هو لا من شخص آخر! تنفصل عنه وتتصل به لأسباب لا يدركها، ولكنها مكملة لكيانه غير منفصلة عنه! وربما خيل إليه كذلك أن حضن أمه إطار خارجي لكيانه هو، وليس قطعة من شخص آخر. ويكون"المجتمع"المتمثل في شخص الأم قطعة حقيقية من نفسه لا شيئا منفصلا عنه!

ويكبر إدراكه بعد فترة ويتحدد .. فيحس بكيانه المفرد على حقيقته، ويحس بأن الأم كيان منفصل عنه، يروح ويجيء، ويبعد ويقترب .. ولكن تشبثه بهذا"المجتمع"المتمثل في شخص الأم يظل على شدته ..

ثم تزداد رغبته في رؤية الآخرين والأنس بهم .. حتى تقوى رجلاه على حمله فينتقل هو إليهم ليشعر"بوجوده"معهم .. ويكون كيانه الفردي عندئذ ممتزجا بكيانه الجماعي غير متميزين.

واللعب .. وهو نشاط الطفولة، مظهر بارز لاختلاط الفردية والجماعية في نفس الطفل. فهو يلعب مع الآخرين ليثبت ذاته ويكمل وجوده الفردي بوجودهم .. وحتى حين يلعب وحده فهو ينشئ في خياله مجتمعا من الناس يتحدث إليهم ويتخيل أنهم يتحدثون إليه ويشاركونه مشاعره وأفكاره. فهو في"مجتمع"دائم لا ينعزل بشخصه في لحظة من اللحظات ..

وحين يشتد إحساسه بذاتيته المفردة .. وحين يأخذ في العناد مع أبويه ومع الآخرين لإثبات ذاته .. وحين يصل الأمر إلى الأنانية الشديدة أحيانا .."أنا"أريد كذا .. لا بد من كذا لأنني"أنا"أريده .. حتى في هذه الفترة من العمر فلا انفصال بين نزعتي الطفل -الممثلتين لنزعتي الإنسان كله- وإنما هناك فقط بروز في إحدى النزعتين يلونهما كليهما! فحين تبرز النزعة الفردية إلى هذا الحد فهي لا تقتل النزعة الجماعية وإنما تلونها بالصراع! فهو يريد المجتمع .. ولكنه يريده خاضعا لنزعاته، ملبيا لطلباته .. ولا يحب أن ينعزل عنه ليبقى فردا بلا زملاء وأصدقاء .. أو بلا منافسين وخصماء!

وهذه المرحلة طبيعية في حياة الطفل وإن كانت في حاجة إلى الرعاية الدائمة والتوجيه لكيلا تزيد عن الحد، ولكيلا يثبت عليها الطفل فينشأ منحرفا .. جانحا بأحد جانبيه ..

وهي تؤدي مهمتها في حياته ..

فكما رأيناه من قبل يتداول الحسية والمعنوية في حياته، لينمو كل جانب منهما في فترة من الوقت استعدادا للحياة المقبلة ..

وكما رأيناه يتداول الحب والكره والخوف والرجاء لينمو كل منهما في فترة معينة استعدادًا للمستقبل ..

(1) من كتاب"منهج التربية الإسلامية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت