ومن ثم تؤدي النزعتان معًا دورهما في الحياة البشرية، وتكونان معًا ضروريتين لكيان الإنسان.
"ولقد اضطربت كثير من النظم وكثير من الفلسفات بين هذه النزعة وتلك. بعضها يوسع دائرة الفردية حتى تصل إلى الأنانية المرذولة، وتفكيك روابط المجتمع، وتشتيت طاقاته. وبعضها يوسع الدائرة الجماعية حتى تقضي على كيان الفرد وتكاد تلغي وجوده إذ تعتبره ذرة ضئيلة تافهة لا يستمد كيانه إلا بوصفه فردًا في القطيع."
"ونحن نرى في هذه اللحظة على وجه الأرض مذهبين متنافرين، كل منهما يقوم على اتجاه."
"الرأسمالية في الغرب قائمة على أساس فردية الإنسان، فتوسع له في حدود فرديته، وتترك له حرية التصرف في كثير من الأمر، حتى يصل إلى حد إيذاء نفسه وإيذاء الآخرين، فلا تحرّج على نشاطه الزائد عن الحد، ولا تقفه عند حد معقول. يطلق لنفسه عنان الشهوات والأهواء .. ويحطم الأخلاق والتقاليد .. ولا يعترف بحق أحد في توجيهه وضبط تصرفاته .. ويحول أمواله إلى أداة لاستغلال الآخرين، وامتصاص جهدهم ودمائهم وتحويلها إلى ترف فاجر ومتاع حسيّ غليظ .. ويفسد سياسة الحكم وسياسة المجتمع، ويفسد تصور الناس للحياة .. ومع ذلك فهو يمارس"حريته الشخصية"وليس لأحد عليه سلطان!"
"والشيوعية في الشرق قائمة على أٍاس جماعية الإنسان. فتوسع في دائرة الجماعة -أو في الحقيقة الدولة- وتحجر على كل نشاط للأفراد- اللهم إلا نشاطهم الحسيّ الغليظ فتتركه لهم مباحا للتنفيس عن الطاقة المكبوتة! - فتمنع اشتراك الناس الفعلي في سياسة الحكم وسياسة المجتمع، وتفرض عليهم النظم والترتيبات بحجة أنها أعرف منهم بمصالحهم. فتعيّن لهم أعمالهم، وأماكن إقامتهم، كما تعيّن لهم أفكارهم ومشاعرهم وطريقة إحساسهم .. بالأمر. ولا تترك لهم سبيلا للاختيار. وتحكمهم بالحديد والنار والتجسس. وتعتبر كل نصيحة للدولة أو القائم عليها خيانة تعاقب"بالتطهير"لأنها نزعة فردية آثمة، موجهة ضد كيان الجماعة المقدس، من فرد لا قداسة له في ذاته ولا كيان!"
"والفلسفات كذلك تخبطت كثيرًا في هذه الأمور. ولم يستطع كثير منها أن يَخْلُص إلى حقيقة بديهية بسيطة يؤيدها الواقع المشهود."
"إن هذه الفلسفات تفترض أنه إذا كان الإنسان فردى النزعة فالمجتمع إذن مفروض عليه من خارج نفسه، متحكم فيه بغير إرادته، ضاغط على كيانه، محطم لشخصيته، ومن ثم فهو مكروه. وتفتيته وتفكيكه حلال!"
"أو .. أن النزعة الجماعية هي الأصل. فالطفل يولد ضعيفًا لا حول له ولا قوة. ولا كيان .. ولولا وجوده في الجماعة ما استطاع أن ينمو وأن يعيش .. وهو في حاجة دائمة للجماعة لكي يستمر في وجوده، وإذن فالنزعة الفردية رجس ينبغي أن يقاوم .. ينبغي أن تُسحق هذه الرغبة وأن تُزال!"
"لماذا؟!"
"إن هذه الفلسفات لا تنتبه إلى الطبيعة المزدوجة في هذا الكيان البشري. التي تبدو متناقضة حين ينظر إليها من السطح. ولكنها مع ذلك مترابطة. وهي تؤدي مهمتها في حياة الكائن البشري بتناقضها ذلك وترابطها. كما يؤدي مهمته الحب والكره، والرجاء والخوف، والسلبية والإيجابية، والحسية والمعنوية والإيمان بالواقع والإيمان بما وراء الواقع .. ويخرج لنا في النهاية مخلوق متعدد الجوانب موحد الكيان!"
"إن في صميم الفطرة هذين الخطين .. كل منهما حقيقة. وكل منهما أصيل. والتناقض يحدث في باطن النفس كما يحدث الاضطراب في واقع الحياة، حين تزيد النسبة المقررة لكل واحد فينحرف عن مساره، ويعتدي على مسار الآخر ويشده إليه. أما حين يأخذ كل منهما مداره الصحيح، فلن يحدث التنافر بين الفرد والجامعة أو يحدث الشقاق."