هذان الخطان من أخطر الخطوط في حياة البشرية ..
فعليهما -في صورتهما الصحيحة أو المنحرفة- تقوم نظم الحياة كلها، صالحها أو فاسدها، وعلاقات الحياة كلها، سويها أو منحرفها، وسلوك الأفراد والجماعات ..
وعنهما وحولهما دارت مناقشات كثيرة فلسفية واجتماعية ونفسانية، وانبنت مذاهب فكرية وسياسية واقتصادية .. بل بتأثيرهما قامت في البشرية حروب وحدثت اهتزازات واصطدامات ورجات!
والخطان فطريان ..
ففي كل نفس سوية ميل للشعور بالفردية المتميزة .. بالكيان الذاتي. وميل مقابل للاندماج في الجماعة والحياة معها وفي داخلها.
ومن هذين المَيْلَيْن معا تتكون الحياة!
ومن ثم لا يكون الإنسان فردًا خالصا، ولا يكون أيضًا جزءًا منبهما في كيان المجموع.
إنه يحس بفرديته دون شك. يحس بحدود كيانه. يحس"بالأنا"التي يشتمل عليها. يحس برغباته الخاصة وأشواقه الخاصة ومطالبه الخاصة وضروراته الخاصة. يحس بها إحساسا واضحا محددًا لا لبس فيه ولا انبهام.
فحين يجوع فهو الجائع. وحين يتألم فهو المتألم. وحين يفرح فهو الفرحان. وحين يؤدي عملا فهو بشخصه بفكره بعضلاته بكيانه المحدد الذي يقوم بالعمل. وفي كل حالة يحدث تياران من المشاعر: من الإنسان وإليه، كما يحدث تياران في الأعصاب من المخ وإليه .. ينشأ نتيجتهما إحساس الإنسان بما يشتمل عليه كيانه في تلك اللحظة من فكر أو عمل أو شعور ..
وهذا هو الكيان الفردي المحدد الحدود.
ومع ذلك فليس هذا هو كل الإنسان، وإنما هو واضحد فقط من جانبي الإنسان.
والجانب الآخر أنه من أعمق فرديته هذه، المحددة الواضحة الحدود البارزة السمات، يهفو إلى الآخرين.
يهفو إلى الجنس الآخر بدافع الجنس ..
ويهفو إلى الذرية ..
ويهفو إلى الأصدقاء ..
ويهفو إلى الزملاء ..
بل يهفو كذلك إلى وجود أعداء أو منافسين يصارعهم ويتغلب عليهم!!
وكل هذه روابط جماعية .. تعبر عن رغبته في الارتباط بالآخرين بأنواع مختلفة من الرباط ..
وهي رغبة أصيلة جدًا وعميقة جدًا في باطن النفس .. نابعة من الكيان المفرد للإنسان!
وهي -في النهاية- التي تنشئ المجتمع وتنظم ما فيه من روابط ونظم وصلات.
ومن هنا يختلط الفرد والمجتمع في كيان النفس وفي كيان الحياة!
لا تمر على الإنسان لحظة واحدة يكون فيها فردًا خالص الفردية قائمًا بذاته.
ولا تمر عليه لحظة واحدة يكون جزءًا من الثقطيع غير متميز الكيان.
عملية مستحيلة .. غير قابلة للتحقيق ..
في أشد اللحظات فردية يحمل الإنسان في قلبه"مشاعر"تربطه بالآخرين.
وفي أشد اللحظات جماعية يحس بأنه -على الأقل- هو الذي ينفذ رغبة الجماعة بذاته .. بكيانه الفردي.
كل ما في الأمر أن هذه النزعة أو تلك تبرز في لحظة -أو يُسْمح لها بالبروز- فتتوارى الأخرى حتى تبرز من جديد. في عملية مستمرة التداول بين البروز والانحسار.
والإنسان بفطرته تلك -بطبيعته المزدوجة- يعيش. يعيش حياة سوية طبيعية صالحة نافعة.
يستمد من نزعته الفردية .. من إحساسه بذاته .. من حبه للبروز بكيانه .. من حب الخير لنفسه"وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [1] ".. من حرصه على منفعته .. من سعيه لتحقيق رغباته وإثبات ذاته .. يستمد من ذلك جميعًا دافعًا للحركة والنشاط والإنتاج، والتقدم إلى الأمام.
ويستمد من نزعته الجماعية .. من ميله للوجود مع الآخرين، والفناء فيهم أحيانًا .. من سلبيته إزاءهم .. من ضعفه إليهم وحاجته إلى معاونتهم والأنس بهم .. يستمد من ذلك كله معينًا له على قطع بيداء الحياة الموحشة -لو انعزل كل إنسان عن الآخر- وعلى أداء الأعمال التي لا يقدر عليها بمفرده. وعلى التقدم بالحياة كلها إلى الأمام.
(1) سورة العاديات [8] .