وعلى هذا الأساس نقول إن السلبية تؤدي مهمتها في الحياة البشرية كالإيجابية سواء.
السلبية -بمعنى الطاعة- ضرورية في حياة الطفل ليمتثل لتوجيهات الكبار، التي لا يمكن بدونها أن تنمو في نفسه القيم المختلفة، فينشأ وقد غلبت عليه الأنانية والاستجابة السريعة للنزوات -الحسية أو المعنوية- أي أنه ينشأ على مقربة من عالم الحيوان!
وهي -بمعنى الطاعة كذلك- ضرورية في حياة الإنسان البالغ ليستطيع الحياة في المجتمع ذي الأوضاع المنظمة والقواعد الثابتة والأركان الراسخة .. وإلا ظل ناشزا لا يطيع نظاما ولا يخضع لقانون، فتضطرب الأمور في المجتمع وينتهي إلى الدمار.
وهي -بمعنى حب الخضوع والاستسلام- ضرورية كذلك في حياة الطفل وحياة الإنسان البالغ، لتعطف قلبه للآخرين .. فيحبهم .. ويسلم عواطفه لهم: فتنشأ الروابط الضرورية بينه وبين الآخرين .. الروابط التي لا تقوم بدونها الحياة.
أما الإيجابية -بمعنى الإرادة والإقدام والفعالية والإبداع والإنشاء والتوجّه- فتؤدّى مهامها في حياة الإنسان بما يشبه مهام"التحرر"التي ذكرناها من قبل .. وإن كانت متميزة عنها في الموضوع والاتجاه.
أولى المهام هي موازنة لسلبية فلا تصل إلى الضعف المعيب وانعدام الشخصية [أي منعها من الانحراف] .
وثانية المهام مقاومة الشر في النفس والمجتمع .. فلو كان الإنسان سلبيًا لكل شيء، لتفشت الأمراض والشرور دون أن يقاومها أو يغيّر ما فيها من منكر. وتخضع النفوس للفساد وللظلم. وينتهي الأمر بالبوار والدمار.
وثالثة المهام إبداع النظم الجديدة التي تدفع البشرية إلى الأمام، دون خوف من الخروج على"مألوف"الناس حين يفسد هذا المألوف ويصبح مصدرًا للفساد.
وكلها أمور حيوية بالنسبة للفرد والمجتمع والحياة ..
ويلتقي الخطان -من طرفيهما- بخطي الالتزام والتحرر .. وإن كان في كل منهما من التخصص ما يجعلهما استعدادين متميزين.
فالالتزام كما قلنا قد يكون سلبيا وقد يكون عن رغبة وتصميم.
والتحرر قد يكون انسياقا سلبيا مع الشهوة وقد يكون عن إرادة وإيجابية واقتحام.
والالتزام رغبة في اتخاذ سلوك معين محدد مكرر .. بينما السلبية رغبة في عدم المقاومة للقوى الخارجية (أو الداخلية) التي تفرض وجودها على النفس.
والتحرر رغبة في الانفكاك من القيد .. بينما الإيجابية رغبة في البروز إلى الأمام.
ويكفي هذا للتمييز بين الخطين المتشابهين .. وإن كانت بعد ذلك تشتبك الخطوط كلها وتتعقد أشد تعقيد!
السلبية هي الطور الأول من أطوار النفس ..
فالطفل في أيامه الأولى مسلوب الإرادة، خاضع لكل ما يملى عليه من الداخل أو الخارج سواء.
يجوع فيرضع الثدي .. عملية سلبية.
يُرْفَع أو يُحَطّ .. فلا يملك أمره.
ولكن بعد فترة بسيطة تنمو الإيجابية التي كانت كامنة -أو عاجزة- من قبل.
يجوع فيطلب الثدي بنفسه أو يطلب الطعام .. ويصرخ حين لا يعطى ما يريد ..
ويرفع أو يحط .. فيقاوم حين لا يريد.
وفي هذه المرحلة تكون السلبية والإيجابية كلتاهما في نطاق المحسوسات.
ثم تعبران القنطرة إلى الشاطئ الآخر ..
يكون سلبيًا في إطاعة الأوامر الصادرة إليه من الكبار ..
ويكون إيجابيًا في التصرف بما يهديه إليه تفكيره ومزاجه الخاص ..
وسنتكلم في نهاية الفصل عن التهذيب الضروري للسلبية والإيجابية .. ولجميع الخطوط والطاقات .. فنكتفي هنا ببيان أنهما خطان فطريان في الخلقة، وأنهما -في صورتهما السوية- يؤديان مهمة ضرورية في الحياة.