خطان متقابلان في النفس قريبا الشبه بخطي الالتزام والتحرر .. ولكنهما لا يتطابقان. فالالتزام قد يكون سلبيًا [آليا] وقد يكون إيجابيا نتيجة تصميم وإصرار. كما أن التحرر -وإن غلبت عليه صفة الإيجابية- قد يكون أحيانًا تحررا ظاهريا من القيد، رغبة في الانسياق السلبي وراء الشهوات!
وهكذا تتداخل الخطوط وتتشابك، حتى لا يتميز أحدها عن الآخر إلا بجهد جهيد!
والأقرب إلى الظن أن تكون السلبية ناشئة من حقيقة الجسد، والإيجابية ناشئة من حقيقة الروح. فقبضة الطين سلبية تخضع للقوانين المادية خضوعا كاملا -إلا ما شاء الله- ولا تملك التغيير ولا تفكر فيه. ونفخة الروح إيجابية .. فهي نفخة من روح الخالق المنشئ المدبر المبدع المريد .. تحمل إلى الإنسان من مظاهر الإرادة والإبداع والإنشاء والحرية والاختيار والتوجه والفعالية ... بقدر ما قسم الله للإنسان.
ومع ذلك فليس في كيان الإنسان شيء باق على"خامته"الأولى، دون امتزاج وترابط وتشابك وتعقيد!
الخط -في ظاهره- ينبع من هنا أو ينبع من هناك. ولكنه لا يسير خطوة واحدة حتى يكون قد امتزج بهذا الخط أو ذاك. لأنه لم يعد يوجد في الواقع"هنا"خالصة أو"هناك"خالصة .. وإنما كل شيء من هنا ومن هناك في ذات الوقت!
وقد قلت عن هذين الخطين في كتاب"منهج التربية الإسلامية"ما يأتي:
"ولولا أننا مشغولون هنا بمبحث تربوي لا سيكلوجي ولا بيولوجي، لوقفنا طويلا عند تلك الحقيقة العجيبة في الخلقة، وهي أن الجنين يتكون من التقاء خليتين: البويضة الأنثوية والحيوان المنوي. وأن لكل من هذين طريقة في السلوك مخالفة للأخرى. فالبويضة في مسارها من المبيض إلى الرحم تسير"مع التيار"، بينما الحيوان المنوي في مساره من عنق الرحم إلى الأغشية الداخلية ليلتقي بالبويضة ويلقحها، يسير"ضد التيار"، وفي فطرته القدرة على المغالبة والاقتحام والمسير ضد التيار ليؤدي مهمته. والجنين هو خلاصة هاتين الطاقتين! خلاصة السلبية والإيجابية معًا وفي ذات الوقت!"
"إنها حقيقة عجيبة في الخلقة .. توحي بالظن أنها هي منشأ هذين الاستعدادين النفسيين المتناقضين! والله أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير".
إنها فعلا حقيقة تلفت النظر ...
ولا يمتنع أن تكون حقيقة السلبية والإيجابية ناشئة من حقيقة الجسد والروح، ثم تكون حقيقة البويضة والحيوان المنوي توكيدًا آخر لها، يحمل في ذاته مزيجا من الجسد والروح، لأنه صدى لحقيقة"الإنسان"المكون من قبضة الطين ونفخة الروح! الإنسان الذي لا ينشأ فقط من التقاء البويضة والحيوان المنوي، بل يحمل كل جنس من جنسيه كذلك أعضاء الذكر والأنثى، وطبيعة الذكر والأنثى، وإن كانت إحداهما تغلب فتقرر صورة الجنس، والأخرى تظل ضامرة في صورتها الجنينية .. تشير فقط إلى حقيقة التكوين!
الله أعلم من خلق ..
ليس لنا سبيل إلى اليقين القاطع .. وإنما نستعرض الظواهر بقدر ما تنكشف للإدراك البشري المحدود.
السلبية والإيجابية استعدادان فطريان يؤدىيكل منهما مهمة معينة للحياة.
ونحن في حديثنا هنا كله نتحدث عن الصورة الفطرية السوية ولا نصف الانحرافات -التي سنفرد لها حديثًا خاصًا. وكل الخطوط المتقايلة .. وكل شيء في النفس البشرية .. قابل للانحراف كما هو قابل للاستواء [وهذا نفسه مظهر من مظاهر الطبيعة المزدوجة في كيان الإنسان] ولكنا حين نتحدث عن المهمة التي يؤديها كل خط من الخطوط وكل طاقة في النفس فإننا نتحدث بطبيعة الحال عن الصورة الصحيحة السوية، لأنها هي الأصل، وليس الأصل هو الانحراف [1] !
(1) سنعالج هذه الفكرة في فصل"الانحراف والشذوذ"وفصل"الخير والشر".