والميل للتحرر يؤدي كذلك مهمته الحيوية في الحياة .. وهي ليست مهمة واحدة وإنما جملة مهام:
يؤدي مهمته أولا في أن يَحول بين الالتزام وبين الآلية الجوفاء .. التي تحيل الحياة إلى جمود وتحجر، وتفقد التصرفات والأعمال والمشاعر حيويتها ودلالتها، وتحول البشر إلى آلات [كما صنعت الحضارة المادية الحديثة حين قتلت الجانب الروحي في الإنسان، وهو الجانب الذي ينشأ عنه الميل للتحرر والانطلاق!] .
ويؤدي مهمته ثانيًا في تطوير الحياة .. فالالتزام الدائم يقف بالحياة عند نقطة لا تغادرها .. كما يقف عالم المادة وعالم الحيوان .. وليست هذه إرادة الله بالإنسان، خليفته في الأرض، المكلف بتطويرها وعمارتها .. فلا بد -إلى جانب الالتزام- من عنصر آخر يمنع الوقفة الآسنة، ويحرك الحياة باستمرار، لنصل إلى جديد في عالم الإنتاج المادي، وجديد كذلك في عالم الفكر والروح، يضيف رصيدًا جديدًا إلى الرصيد الموجود، ويزيد من سعة الحياة وثرائها، واستمتاع الإنسان بما فيها من ثمرات.
ويؤدي مهمته ثالثًا في إعطاء الحياة -مع تطويرها- دفعة حية متحركة تزيد من حيويتها، وتضمن لهذا التطور ذاته ألا يذبل ويضمر ويموت .. فليس يكفي أن يحدث الإنسان في حياته جديدًا كل حين. وإنما ينبغي أن يكون لهذا الجديد من القوة الدافعة ما يمكّن له في الوجود.
وهكذا يتصل الالتزام والتحرر في داخل النفس وفي واقع الحياة، ويتعاونان معًا في أداء مهمة مشتركة، ولو بدا لأول وهلة أنهما متضادان ومتناقضان!
ينشأ الالتزام أولا في نفس الطفل .. فعالم الطفل هو عالم الضرورة .. والضرورة تعنى الالتزام.
ضرورة الطعام -بالرضاعة- وضرورة الإفراز، وضرورة النوم .. إلخ.
كلها ضرورات يلتزم بها الطفل .. ويتعود الالتزام بها .. فالجهاز العصبي مكوّن بحيث يترك كل عمل أثرًا معينًا فيه .. وبتراكم هذه الآثار تتكون"عادة"يلتزمها بالجهاز العصبي ويرتاح إلى أدائها، ويتعب من تغييرها ..
ولكن الالتزام لا يظل وحده المسيطر على عالم الطفل.
فما إن يبدأ القدرة على الحركة، حتى يحس باللرغبة في التحرر من القيد!
يحرك يديه ورجليه، وبوده لو يتخلص من قيد ضعفه الذي يجعل يديه لا تطولان شيئًا، ورجليه عاجزتين عن حمله والتحرك به حيث يريد!
ويلاحظ هنا -كما رأينا في الخطوط السابقة- أن كلا من خطّي الالتزام والتحرر يبدأ في عالم الحس، ثم يعبر الفنطرة إلى عالم المعنويات.
الالتزام جثماني كله في مبدأ الأمر .. ثم تتكون عنه"عادات".. جثمانية نفسية .. ثم عادات نفسية في نهاية الخط .. كعداة الصدق وعادة الشجاعة وعادة الإيثار .. أو ما يقابلها من الكذب والجبن والأنانية .. إلخ.
والتحرر يبدأ انطلاقه من عضلات الجسم .. ثم تتسع دائرته حتى يصبح في نهاية الخلط تحررًا روحيًا وفكريًا شاملا لكل المعنويات ..
ومن هنا يلتقي الخطان بخطي الحسية والمعنوية، كما يلتقيان مرة أخرى بخطّي الواقع والخيال. فيلتقي لالتزام بالواقع، ويلتقي التحرر بالخيال. ثم تعود الخطوط لها فتشتبك وتتداخل، فيدخل الالتزام والتحرر كلاهما في دنيا الواقع، ينظمانه من ناحية، ويدفعانه إلى الحيوية والتطور من ناحية؛ ويدخلان كلاهما في عالم الخيال .. فيلتزم الخيال -بحكم العادة- بأخيلة معينة من جهة، وينطلق متحررًا من جهة أخرى؛ كما يبدو في إنتاج الفنانين، حيث تتلازم الصور والأخيلة وتتكرر في إنتاج كل فنان، ومن ناحية أخرى يأتي بأخيلة خاصة لا تشبه أخيلة غيره من الناس لأنها تتحرر من تقليد الآخرين!
وهذا لون من التشابك والتداخل والتعقيد في كل كيان الإنسان!