الصفحة 55 من 169

"في الكائن البشري خطان متناقضان متقابلان، يعجب الإنسان لأول وهلة كيف يوجدان بتناقضهما ذلك متجاورين في النفس الواحدة. والواقع أن الازدواج هو السمة العامة للكيان البشري كله، الناشئة في الأصل من ازدواج منشئه من قبضة الطين ونفخة الروح، ومن ثم فلا موجب للعجب مما يحويه الإنسان في كيانه من متناقضات ظاهرية ..."

"في الإنسان ميل للالتزام. ميل لأن يلتزم بأشياء معينة وينفذها. ولو وجد نفسه طليقا من كل التزام خارجي لفرض على نفسه أمورًا معينة والتزم بها .. إرضاء لما في طبيعته من ميل للالتزام! ومن ثم فالفوضى المطلقة لا وجود لها، ولا يمكن أن توجد. لأنها ليست جزءا من طبيعة الإنسان!"

"ومع عمق هذا الميل للالتزام في الطبع البشري، فإن فيه إلى جانب ذلك ميلا للإحساس بأنه غير ملتزم! وأنه يؤدي الأشياء لأنه هو يريد أن يؤديها لا لأنها مفروضة عليه!"

"كلا الخطين أصيل وعميق. وكلاهما يؤدي دوره في فطرة النفس وواقع الحياة" [1] .

كلاهما يؤدي دوره في حياة البشرية ..

لا شيء مما أودعه الله في فطرة الإنسان قد أودع عبثا بلا غاية!"مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ" [2] "رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ" [3] "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا" [4] "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ" [5] .

الالتزام هو الذي"ينظم"حياة البشرية ..

فحياة الفرد لا تنتظم إلا بالتزامه نظاما معينا في معيشته .. نظاما يشمل كل شيء وكل سلوك. يشمل موعد اليقظة وموعد النوم. وموعد تناول الطعام. وموعد العمل. وموعد الراحة .. إلخ. وبشمل طريقة أداء كل عمل من هذه الأعمال .. ويشمل إنشاء علاقات منظمة بأفراد الأسرة وأفراد المجتمع .. والتزام هذه العلاقات ..

وحياة المجتمع لا تستقيم كذلك إلا بالتزام نظام معين، يشمل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والسلوكية والخلقية والروحية .. إلخ.

ولأن هذه بديهيات في حياة البشرية فالإنسان لا يحس بقيمتها ولا بضخامتها!

ولكن عليه -لكي يحس بحقيقتها- أن يتصور الحياة بغير هذا الالتزام!

فليتصور حياة فرد لا ضابط له ولا نظام في نومه وصحوه وطعامه وملبسه ومسكنه وعمله وعلاقاته بالأفراد!

مرة ينام بالنهار ومرة ينام بالليل! مرة يذهب إلى عمله ومرة لا يعمل! مرة يأكل ومرة يمتنع عن الطعام! مرة يسكن في مسكن ومرة يأوي إلى غير مكان! مرة يوادّ أصحابه ومرة يثور في وجههم بلا أسباب! مرة يتعبد إلى الله ومرة يفجر ويفسق! مرة يطيع أوامر الدولة ومرة يخرج عليها بلا سبب مفهوم! .. إلخ .. إلخ ..

كيف تصبح صورة الحياة بالنسبة لهذا الفرد؟

وليتصور الإنسان مجتمعًا بلا نظام ولا رابط .. مرة ينشئ نظامًا للزواج ومرة يفك الروابط ويطلق الناس يقضون حوائج الجنس بلا قانون. مرة يقيم حكومة ومرة يفك روابط السياسة ويترك كل إنسان على هواه. مرة ينظم علاقات العمل وعلاقات الاقتصاد، ومرة يترك الناس يقتتلون بلا نظام!

كيف تصبح صورة الحياة بالنسبة لهذا المجتمع؟

وحقيقة إن قدرا من هذه الفوضى تحدث بالفعل في حياة بعض الأفراد وبعض المجتمعات .. ولكن هذه حالات اختلال منحرفة .. نتحدث عنها فيما بعد .. ولكن الذي لا مراء فيه أن الفرد أو المجتمع الذي يحدث هذا الاختلال في كيانه، مهدد بالدمار .. وعلى قدر ما تكون الفوضى يحدث الدمار.

فالميل للالتزام إذن يؤدي مهمته الحيوية في تنظيم الحياة ..

(1) من كتاب"منهج التربية الإسلامية".

(2) سورة الملك [4] .

(3) سورة آل عمران [191] .

(4) سورة ص [27] .

(5) سورة الدخان [38] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت