الصفحة 54 من 169

فهو في سنوات الطفولة الأولى واسع الخيال جدًا .. يستطيع بسهولة أن يتخيل كل شيء وأي شيء .. ويعيش في خيالاته كأنها واقع .. بل هي الواقع الذي يأنس إليه أكثر مما يأنس إلى واقع الكبار ذي النطاق المحدود!

والخيال في هذه المرحلة يؤدي مهمة حيوية في حياة الطفل .. فمن طريقه ينمي الطفل مداركه الذهنية .. وكأنما يمهد الأسس التي تنبني عليها الوقائع فيما بعد .. فكل خيال طائر يرسم مكانا في الذهن يمكن أن يقام عليه في المستقبل بناء!

ورويدًا رويدا تُلْقى"الحقائق"الواقعة في"بحار"الخيال فتَرْدِمُها، وتظهر جزر من اليابسة في غمار المحيط!

تُلْقى من العالم الخارجي الذي يزيد تعامل الطفل معه باستمرار، ويزيد وقعه المحسوس على فكره وحسه ومشاعره، كما تلقى بالتلقين والتعليم من جانب الكبار ..

وفي عملية التشوق الدائم"للمعرفة".. تبرز هذه الجزر في المحيط، وتظل تنمو حتى تصبح قارات واسعة متشابكة. ولكنها قط لا تملأ المحيط!

ينمو الواقع .. ولا ينتهي الخيال.

ثم يعود الطفل في فترة المراهقة إلى موجة جديدة من الخيال، بعد أن كان قبل سنوات قد أصبح أميل إلى الواقعية. ولكنه هنا خيال من نوع جديد .. ليس خيال الجن والغيلان والطيور المتكلمة والحيوانات المتعلمة! وإنما هو خيال عاطفي شاعري وجداني .. يتصل بالقيم والعواطف والأحاسيس.

ولئن كانت دفعة الخيال الأولى تؤدي مهمتها في حياة الإنسانية بتنمية قوى الطفل الذهنية .. فهذه الدفعة الثانية تؤدي مهمتها بتنمية القوى العاطفية والوجدانية، التي يقوم عليها فيما بعد التعامل"المعنوي"بين بني الإنسان.

ثم تجيء موجة أخرى من الواقعية في مرحلة الشباب .. لمواجعة واقع الحياة ومشاكلها ..

ورويدًا رويدًا ينضب الخيال وتظهر الصخور الناتنة في الماء الراكد الذي لا يمور .. صخور المشاكل والعقبات والتبعات والهموم .. !

ولكن الماء لا ينضب أبدًا على أي حال ..

فحين يجف الماء تموت النفس ولا يعود لها بالحياة اتصال ..

وبعض الناس تبقى طاقة الخيال عندهم على حالها من الحركة والإبداع .. أولئك الفنانون. أما بقية الناس .. فمهما نضب الخيال في نفوسهم، فهم على الأقل يقتانون أعمال الفن هذه ليشبعوا ما بقي فيهم من طاقة الخيال!

ويظل الخيال والواقع من البدء للنهاية متصلين أحدهما بالآخر .. ومشتبكين ببقية الخطوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت