وهكذا يتصل الواقع والخيال أحدهما بالآخر كخطين متقابلين، ثم يتصلان معا ببقية الخطوط النفسية في تشابك وتداخل وتعقيد ..
ولا يقف الاتصال والتداخل عند هذه النقطة التي تتصل بطبيعة الخطين ..
وإنما يمتد الاتصال والتداخل في الواقع الحيوي للإنسان ..
فطاقة الواقع هي التي تشتبك بالعالم المادي المحسوس، وبالعالم"الواقعي"على نطاق واسع [بما في ذلك من قيم -معنوية- وإيمان بالغيب على أنه واقع] .
هي طاقة"العمل"و"الإنتاج"الواقعي .. سواء كان الإنتاج في عالم المادة أو عالم الروح.
الطاقة التي تتناول الواقع المادي فتحوله من مادة خامة إلى مادة مصنعة. الطاقة التي تزرع الأرض وتفلحها. الطاقة التي تحاول التعرف على أسرار الكون بما فيه من عناصر وطاقات، لتستفيد منها في استغلال الأرض وعمارتها .. وتتناول كذلك الواقع الروحي والمعنوي .. فتنشئ"النظم"الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وتنظم العلاقات بين الناس في الأرض. وتقيم حياتهم على مبادئ معينة تعتنقها وتعمل على تحقيقها في دنيا الواقع.
هي باختصار الطاقة التي"ينفّذ"بها الإنسان مهمة الخلافة عن الله في الأرض.
ولكن طاقة الخيال ليست بعيدة عن ذلك كله!
إن الإنسان وهو يتخيل -وهو عالم بأنه يتخيل- لا ينقطع في الحقيقة عن عالم الواقع!
فحين يتخيل الكمال المطلق .. بقدر ما يطيق خياله .. فهو يستعين بذلك على تصور الحقيقة الإلهية التي يتمثل فيها الكمال المطلق .. ومن ثم يدخل هذا التخيل في نطاق العقيدة .. التي هي جزء من الواقع!
وحين يتخيل الكمال في عالم الإنسان .. فهو يتمثل الصورة التي"ينبغي"-في تصوره- أن تكون موجودة بالفعل في عالم الواقع .. ويستعين بهذا الخيال على محاولة تحقيق هذه الصورة المثالية .. فيتحقق منها شيء بالفعل وترتقي البشرية صعدا، بمقدار ما تستطيع أن تتخيل الكمال.
وحتى حين يتخيل لذات التخيل .. في متعة الفن أو في ساعات الاسترخاء أو لحظات"الهروب"من الواقع .. فهو يصل إلى نتيجة"عملية"في عالم النفس. إنه يوسع حدود العالم الذي يعيش فيه. يوسعها"بالفعل".. فلا فارق في الإحساس النفسي بين الخيال والواقع حين يوجد كل منهما في النفس! كل خيال وجد بالفعل في النفس فهو حقيقة شعورية ونفسية .. تؤدي إلى نتيجة فعلية: من غم أو فرح أو نشاط أو تقاعس .. ومن ثم يعيش الإنسان -عن طريق الخيال- في عالم أوسع من العالم"الواقعي"المحدود.
هذا ولا نحتاج بطبيعة الحال أن نتحدث عن الخيال الذي يؤدي إلى اكتشاف الكشوف العلمية واختراع المخترعات .. فصلة هذا الخيال بالواقع واضحة لا تحتاج إلى بيان. وإنما الذي يحتاج إلى بيان وتوكيد أنه حتى الخيال الذي لا غاية له أبدا -في ظاهر الأمر- يتصل في النهاية بالواقع، فيختلطان ويمتزجان!
وطاقة الواقع -من حيث النشأة- هي السابقة في الظهور.
فالطفل الرضيع يعيش شهوره الأولى في عالم الواقع .. الواقع القريب الذي يتعامل معه .. واقع الثدي والحضن .. ولم تدخل بعد -بأجهزتنا الحالية- إلى عالمه النفسي لنعلم هل"يتخيل"وهو في هذه الشهور الأولى؟ وإن كان من الثابت أنه يحلم .. فيحرك شفتيه وهو نائم حركة الرضاعة. فهل يعمل الخيال في يقظته أيضًا فيتصور الثدي مثلا عالما ضخما لا أول له ولا آخر ولا حدود .. ويتصور الحضن جزءًا متصلا بكيانه لا منفصلا عنه؟! نحتاج في هذا الأمر إلى تليفزيون إلكتروني يصور الأفكار من داخل النفوس! [وهذا خيال"علمي"قد يتحقق في القريب!] .
ولكن طاقة الخيال سرعان ما تنمو حتى تغطي في نفس الطفل على طاقة الواقع!