الصفحة 52 من 169

وحين يؤمن إنسان بالله -بالغيب- فهو يؤمن به على أنه -سبحانه- حقيقة موجودة واقعة.

وحين يؤمن بوجود الملائكة، فهو يؤمن بأنهم موجودون حقًا في عالم الواقع، وإن كانت حواسه لا تدرك هذا الوجود، ولا تدرك حتى آثاره ..

وكذلك إيمانه بأي شيء فيما وراء الحواس .. هو إيمان الواقع لا إيمان الخيال، ما دام يؤمن به بالفعل.

أما الخيال فيعمل في نطاق آخر ..

إنه خيال يعلم أنه خيال ..

إن الإنسان ابتداء .. يتخيل .. أي ينشئ صورا لا وجود لها في عالم الواقع .. لا في العالم الذي تدركه الحواس ولا العلم المغيّب عن الحواس .. ولا في نطاق الطاقة الحسية ولا الطاقة المعنوية [وإن كان متصلا بها جميعا كما سنرى بعد لحظة] .. ويعلم -في أثناء عملية التخيل- أنه ينشئ هذه الصور إنشاء في عالم الخيال، وهو مدرك بأنها ليست حقيقة واقعة وأنها قد لا تتحقق أبدا في يوم من الأيام!

أعتقد أن الفروق قد صارت الآن واضحة بين كل من هذه الأزواج الثلاثة المتشابهة [1] .

فإذا كان ذلك .. فنعود الآن إلى ما بيان ما بينها من تشابك وتداخل وتعقيد!

لقد قلنا إن الخطوط الأربعة الأولى جميعا -الطاقة الحسية والطاقة المعنوية، والإيمان بالمحسوس والإيمان بالغيب- داخلة جميعها في نطاق الواقع .. فالآن نقول إنها -جميعا- متصلة كذلك بطاقة الخيال!

إن الخيال لا ينشئ شيئا من"العدم"! ولو أنه خيال!

إنه في صوره التي يتخيلها يستند أساسا على الموجود في عالم الواقع! ويزيد عليه أو ينقص منه أو يعدل فيه ويشكل، لكي ينشئ الصور الخيالية التي ينشئها! ولكنه لا يصنع شيئًا من"لا شيء"!

وهو -ككل الطاقات المعنوية الأخرى- يبدأ من عالم الحس .. ثم يعبر القنطرة .. ثم يصل إلى المعنويات ..

حين يتخيل الطفل أن عصاه حصان، ويركب حصانه هذا الوهمي ويجري به، فهو يأخذ خياله من الصورة الواقعية التي تدركها حواسه، وهي الحصان الحقيقي والركوب الحقيقي. وحين يتصور الجن أو الغول أو العفريت .. الخ. فهو ينشئ من صورة واقعية بادئ ذي بدء ثم يزيد عليها. يزيد عليها اتساعا مرعبا في العينين. ولكن العينين ذاتهما حقيقة مستمدة من الواقع. وطولا بشعا في الشعر ولكن الشعر ذاته حقيقة مستمدة من الواقع. وضخامة رهيبة في الجثة. ولكن الجثة ذاتها حقيقة مستمدة من الواقع ..

وحين يتخيل حيوانا يطير .. أو يتكلم .. أو يؤدي أعمالا أخرى فهو يركّب صورا جديدة من صور قديمة موجودة ومحسوسة في عالمه.

ثم يكبر الطفل ويصبح إنسانا ناضجا، ويتغير طابع خياله .. فيتخيل -مثلا- عالما مثاليا [يوتوبيا] كل ما فيه كامل وكل ما فيه جميل .. ولكن طريقة عمل الخيال لا تتغير. فما زال يركّب صورا جديدة من صور قديمة موجودة ومحسوسة في عالمه. وما زال يستند على الموجود في الواقع ويزيد عليه أو ينقص منه أو يعدل فيه .. ولكنه لا يصنع شيئا من لا شيء.

(1) يمكن أن نضيف هنا زوجا آخر من الخطوط المتقابلة قريبي الشبه بهذه الأزواج الثلاثة ولكنهما متميزان عنها، هما خطا"الاعتقاد والتجربة"أو"الاعتقاد والتعلم". وقد يبدو لأول وهلة أنهما هما خطا"الإيمان بالغيب والإيمان بالمحسوس". وحقًا إنهما يتداخلان معهما بعض الشيء، ولكنهما يتميزان بعد ذلك. ففي الناس ميل إلى"الاعتقاد"بطريق غير طريق التجربة والتعلم، وميل آخر إلى المعرفة عن طريق التعلم والتجربة. وهما في النفس السوية متوازنان، فهي"تعتقد"فيما هو موضوع اعتقاد، كالإيمان بالله. وتطلب التجربة فيما مجاله التجربة كمعرفة أحسن الطرق لزرع نبات أو إقامة بناء .. أو معرفة عناصر الكون المادي وشكله وظواهره. وكلاهما أمر ضروري لحياة الإنسان، ونشاط سوي من مناشطه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت